تقارير وحوارات

الأسير حمزة علان.. طفولةٌ أُسرت وشبابٌ يُستنزف خلف القضبان

تمرّ ليالي الشعب الفلسطيني عبر طريقٍ مثقل بالمداهمات المنزلية والكوابيس الاعتقالية، التي أصبحت روتينًا متوقعًا لكل قرية ومدينة ومخيم. اقتحاماتٌ تحت جنح الليل، تكسيرٌ للأثاث والأرواح معًا، وسلبٌ للأبناء من أحضان عائلاتهم.
وأكثر ما يؤلم في طقوس الاعتقال، التي يبذل الشعب الفلسطيني كل جهده ألّا يعتادها، هو اعتقال الطفولة؛ إذ يجد الشاب، الذي يفترض أن يكون في طور رسم أحلامه وبناء مستقبله، نفسه بين ليلةٍ وضحاها خلف قضبان السجون، دون أدنى مبرر، حتى أجلٍ معلوم، وفي كثير من الأحيان غير معلوم.
في ظل استمرار حالة الطوارئ داخل سجون الاحتلال، يعاني الأسرى من محاكم مفتوحة ومؤجلة تمتد لعامين، وأحيانًا ثلاثة أعوام. محاكم لا تُعقد بحضور الأهالي، بل عبر تطبيق “زوم” أو غيابيًا، فلا يتسنّى للعائلات معرفة مواعيد جلسات أبنائهم بدقة، ولا حتى نتائجها. ويبقى المحامي حلقة الوصل الوحيدة بين الأسرى وأهاليهم، فيبذل هؤلاء كل جهدهم لمتابعة الملفات القانونية مع محامين يثقون بهم، علّهم يخففون شيئًا من القلق الذي ينهش قلوبهم.
الأسير حمزة عبد الله علان (19 عامًا)، من بلدة بيت عور التحتا غرب مدينة رام الله، نموذج صارخ لاعتقال الطفولة بلا سقف. عند اعتقاله، كان لا يزال في السابعة عشرة من عمره، في ذروة الأحلام وبدايات الطريق. أُدخل إلى قسم الأشبال في سجن “عوفر”، وأمضى فيه خمسة أشهر، قبل أن يبلغ الثامنة عشرة، فتعتبره إدارة السجون قد غادر مرحلة الطفولة إلى الشباب، وتقوم بنقله إلى قسم آخر داخل السجن ذاته. ويكمل، خلال شهر أيار القادم، عامه الثاني في الاعتقال، دون حكم فعلي أو وضوح في طبيعة التهم الموجهة إليه.
اعتقل الاحتلال الأسير حمزة علان بتاريخ 29/5/2024 من داخل منزله، بينما كانت العائلة تستعد لحفل زفاف ابنتهما. اليوم، تزوجت الابنة ورُزقت بمولود، فيما لا يزال شقيقها غائبًا خلف القضبان، والشوق ينهش قلوب العائلة.
تحاول العائلة، بكل ما تملك، الاطمئنان على أخباره، إلا أن محاميًا لم يتمكن من زيارته سوى مرة واحدة طوال فترة اعتقاله. وقد تواصلت العائلة مع عدة مؤسسات، مطالبةً إياها بالقيام بمسؤولياتها، لكن في ظل الأوضاع الراهنة داخل السجون، والعراقيل التي تفرضها إدارة الاحتلال على زيارات المحامين، لا تعرف العائلة حتى الآن في أي قسم يُحتجز ابنها، ولا ما هو وضعه الصحي أو القانوني، ولا إلى أين وصل ملفه في لوائح الاتهام، خاصة في ظل غياب متابعة قانونية حقيقية لفترة طويلة.
تتابع العائلة قضية نجلها بقلقٍ بالغ وخوفٍ مستمر، لا سيما بعد وصول شهادة من أسير محرر كان قد رافق حمزة خلال إحدى فترات اعتقاله، وأبلغهم بأن حالته “كالجثة”. كلمةٌ وقعت على قلوبهم كالصاعقة، ولا يعرف مرارتها إلا من ذاقها.
ووفق ما نقله الأسير المحرر، فقد أُصيب حمزة بمرض “السكابيوس” داخل الأسر، ما أدى إلى إضعاف جهازه المناعي، وتركه منهكًا غير قادر على الحركة بشكل طبيعي. وهذا هو كل ما تعرفه العائلة عن حالته الصحية حتى اللحظة.
تنتظر العائلة عقد جلسة محاكمة لنجلها خلال هذا الشهر، بينما تتزاحم الأسئلة في أذهانهم حول وضعه الصحي وظروف اعتقاله.
حمزة علان ليس سوى قصة من قصص الطفولة الفلسطينية المعتقلة داخل زنازين الاحتلال. شابٌ عصامي، اعتمد على نفسه في بناء مستقبله، وله عائلة تنتظر حريته على أحرّ من الجمر. وقبل ذلك، تنتظر متابعة قانونية حقيقية، ورعاية صحية عاجلة، ووقفة جادة من المؤسسات الفلسطينية ومؤسسات حقوق الإنسان، لتحمّل مسؤولياتها تجاه ما يتعرض له حمزة، وسائر أشبال فلسطين الذين تُسرق طفولتهم خلف القضبان، بلا سقف زمني أو إنساني.

زر الذهاب إلى الأعلى