العيد في سجون الاحتلال.. فرحة مغيبة وآلاف الأسرى يواجهون القمع والعزل

في الوقت الذي تعيش فيه العائلات الفلسطينية أجواء العيد رغم الألم والحرب، يقبع آلاف الأسرى الفلسطينيين داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي محرومين من أبسط مظاهر الفرح والاحتفال، في ظل تصاعد الانتهاكات وسياسات القمع والعزل والتجويع بحقهم. ويتحول العيد بالنسبة للأسرى إلى محطة جديدة من المعاناة والحنين والحرمان، وسط ظروف اعتقال قاسية تزداد سوءًا يوماً بعد يوم.
أرقام مفزعة خلف القضبان: إحصائيات الأسر في سجون الاحتلال
تكشف أحدث الإحصائيات الصادرة عن المؤسسات المختصة بشؤون الأسرى عن واقع مرير، حيث يواصل الاحتلال اعتقال أكثر من 9400 أسير في سجونه، بينهم 84 أسيرة، إضافة إلى 3376 معتقلًا إداريًا، و1283 معتقلًا تصنفهم سلطات الاحتلال تحت مسمى “المقاتلين غير الشرعيين”، في إطار منظومة قانونية استثنائية تُستخدم لتكريس جرائم الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري بحق الفلسطينيين.
ويتوزع الأسرى على أكثر من عشرين سجناً ومعتقلاً، في ظروف تفتقر لأدنى المعايير الإنسانية. كما يضم هذا العدد مئات الأطفال الفلسطينيين الذين يُحتجزون في ظروف قاسية تسلبهم براءتهم وحقهم في التعليم والحياة الطبيعية، فيما تتضاعف المعاناة بشكل خاص لدى أسرى قطاع غزة الذين يواجهون عزلة تامة وظروف احتجاز تفوق في قسوتها ما يعانيه بقية الأسرى.
انتهاكات ممنهجة وحقوق مسلوبة: شهادات تكشف واقع السجون
وتؤكد شهادات لمعتقلين محررين وتقارير حقوقية وجود انتهاكات ممنهجة وخطيرة ترتكبها إدارة سجون الاحتلال بحق الأسرى الفلسطينيين، في تحدٍ سافر للقوانين والمواثيق الدولية. وتشمل هذه الانتهاكات، وفقاً لـ”لجنة أهالي الأسرى”، سياسات متعمدة تهدف إلى إذلال الأسرى وسلبهم حقوقهم الأساسية. يُحرم الأسرى من الحصول على وجبات غذائية كافية وصحية، حيث تُقدم لهم كميات قليلة من طعام رديء النوعية، يُترك أحياناً لساعات طويلة تحت أشعة الشمس والغبار، في محاولة لاستخدام سياسة التجويع كأداة للقهر والضغط النفسي.
كما يتعرض المعتقلون لأساليب تعذيب جسدي ونفسي ممنهج تبدأ منذ لحظة الاعتقال وتستمر خلال فترات التحقيق القاسية، وتشمل الضرب المبرح والإهانات اللفظية والجسدية التي تمس الكرامة الإنسانية، بالإضافة إلى سياسة “التفتيش العاري” المهينة التي تُفرض عليهم بشكل متكرر، خاصة عند التنقل بين السجون أو حتى قبيل الإفراج عنهم.
سياسة القتل البطيء: استشهاد معتقلين تحت التعذيب
ولم تقتصر الانتهاكات على التعذيب الجسدي والنفسي، بل أدت في حالات عديدة إلى استشهاد عدد من المعتقلين، سواء خلال الحرب الأخيرة أو على مدار سنوات الاحتلال الطويلة. ويشير حقوقيون إلى أن التعذيب والإهمال الطبي المتعمد يمثلان سياسة “قتل بطيء” تنتهجها سلطات الاحتلال ضد الأسرى، في استهتار واضح بحياتهم وبالمواثيق الدولية التي تكفل حماية الأسرى والمعتقلين. إن هذه الممارسات الوحشية تؤكد تعمد إدارة السجون تحويل حياة الأسرى إلى جحيم يومي، في محاولة يائسة لكسر إرادتهم وإخماد صوت قضيتهم العادلة.
أسرى غزة: “مقاتلون غير شرعيين” في عزلة تامة وانتهاك للقانون الدولي
ومنذ السابع من أكتوبر 2023، دخلت معاناة الأسرى القادمين من قطاع غزة مرحلة جديدة من القسوة والتنكيل، بعد أن صنفتهم سلطات الاحتلال الإسرائيلي تحت مسمى “المقاتلين غير الشرعيين”. يُستخدم هذا التصنيف التعسفي لتجريدهم من كافة الحقوق التي يكفلها القانون الدولي للأسرى، بما في ذلك الحق في محاكمة عادلة، والحق في تلقي زيارات عائلية، والحق في التواصل مع محامين أو ممثلين عن منظمات دولية كاللجنة الدولية للصليب الأحمر، بالإضافة إلى حرمانهم من الرعاية الطبية اللازمة.
وتعترف إدارة السجون الإسرائيلية رسمياً بوجود 1283 معتقلاً من غزة مصنفين بهذه الصفة، إلا أن العدد الفعلي يُعتقد أنه أعلى بكثير، حيث لا تشمل هذه الإحصائية المئات المحتجزين في معسكرات اعتقال عسكرية مؤقتة ومراكز تحقيق سرية. يعيش هؤلاء الأسرى في عزلة تامة عن العالم الخارجي، محرومين من أي اتصال مع عائلاتهم منذ بدء الحرب، ولا يُسمح لهم بتوكيل محامين للدفاع عنهم. كما يعانون من إهمال طبي متعمد أدى إلى تفشي أمراض جلدية خطيرة كالجرب، نتيجة نقص النظافة والأدوية، بينما تُرفض طلبات العلاج للحالات الصحية الحرجة.
وتصف التقارير ظروف احتجازهم بالقاسية للغاية، حيث الزنازين مكتظة وتفتقر للتهوية، ويُجبر الأسرى على النوم على الأرض دون أغطية أو فرش كافية. ويؤكد نادي الأسير الفلسطيني أن هذه الممارسات تشكل انتهاكاً صارخاً لاتفاقيات جنيف، وتعتبر جريمة حرب بموجب القانون الدولي، خاصة مع استمرار حرمان الأسرى من معرفة مصير عائلاتهم في قطاع غزة الذي يتعرض لعدوان مستمر.
غياب طقوس العيد وحضور المعاناة: الاحتلال يمعن في قمع الفرحة
وفي ظل هذه الظروف القاسية، يأتي العيد ليضاعف من معاناة الأسرى. فبعد أن كانوا في السابق يحاولون خلق بصيص من الفرح داخل الزنازين المظلمة، من خلال أداء صلاة العيد في الساحات الضيقة، وتبادل التهاني المكتوبة على قصاصات ورق مهربة، ومحاولة صنع “معمول العيد” من بقايا الطعام الشحيح، أصبح العيد اليوم مجرد يوم آخر من أيام الأسر الطويلة، بل ربما أكثرها قسوة.
فالزيارات العائلية ممنوعة بشكل قاطع، حتى للأطفال الذين يحلمون بلمسة حنان من آبائهم أو أمهاتهم الأسرى. كما تُحظر صلاة العيد الجماعية في معظم السجون، وتُمنع التكبيرات، وكأن الاحتلال يخشى حتى من الأصوات التي تسبح الله من خلف القضبان. أما الوجبات، فقد استُبدلت تلك التي كانت تُعد بمجهود ذاتي بسيط بطعام بارد، وغالباً ما يكون فاسداً، يُترك عمداً تحت أشعة الشمس لساعات قبل توزيعه، في إمعان متعمد في الإذلال. وتتعمد إدارة السجون تكثيف عمليات الاقتحام والتفتيش العاري والعقوبات الجماعية صبيحة يوم العيد، بهدف قتل أي شعور بالفرح أو الأمل في نفوس الأسرى، وتحويل المناسبة إلى ذكرى للألم والمرارة.
الأسيرات الفلسطينيات: وجع مضاعف وحرمان من الأمومة
وتعيش الأسيرات الفلسطينيات العيد بوجع مضاعف، فالكثيرات منهن أمهات فرقتهن قضبان السجن عن أطفالهن لسنوات طويلة. تحاول بعضهن التشبث بخيوط الأمل وصنع “فسحة فرح” رمزية بتبادل الحكايات والذكريات عن أعياد مضت في كنف العائلة. لكن سرعان ما تخطفهن الدموع حين يتذكرن أطفالاً يكبرون بعيداً عنهن، أو لحظات اعتقال وحشية قطعت فرحة عيد سابق إلى الأبد. وتزيد إدارة السجون من قسوة الواقع بمنع إدخال الصور الشخصية للعائلات، لتبقى الذكريات هي الملاذ الوحيد والأخير في مواجهة قسوة الحاضر.
استهداف العيد: حرب نفسية لكسر إرادة الصمود
إن استهداف الاحتلال الإسرائيلي لمناسبة العيد بشكل خاص ليس عشوائياً، بل يندرج ضمن سياسة ممنهجة تهدف إلى كسر شوكة الصمود لدى الأسرى، وتحويل المناسبات الدينية والاجتماعية، التي تمثل رموزاً للهوية والانتماء والحرية، إلى أدوات للعقاب النفسي والضغط المعنوي. فالعيد ليس مجرد يوم عابر في التقويم، بل هو تجسيد لمعاني العائلة والحرية والهوية الوطنية والدينية. ومحاولة إفراغه من مضمونه هي جزء من حرب نفسية طويلة تهدف إلى سلب الأسرى حتى حقهم في الحلم والحنين.
رغم الألم.. الأمل باقٍ وحكاية الحرية تنتظر
لكن، وكما يخبرنا التاريخ، فإن الأسر قد يسلب الجسد حريته، لكنه يعجز دائماً عن قتل الأمل في النفوس الصامدة. فها هم الأسرى الفلسطينيون، رغم الجدران العالية والقضبان الصماء، يخلقون من بقايا الفتات طقوساً للمقاومة، ومن عمق الألم حكايات للصمود، ومن مرارة الغياب أملاً بغدٍ تُروى فيه حكاية الحرية والنصر. وكما قيل: “في السجون، يصنع الأسرى عيدهم من دموعهم، فيصبح كل دمعة شمعةً تضيء درب العودة”.




