حرائر فلسطين: جروح الأسيرات تتكشف مع كل عيد

في غياب الأمهات عن المنازل قصصٌ من ألمٍ تفوق حدّ الاحتمال، وأسئلةٌ لأطفالٍ لا إجابات لها، وجداتٌ يعشن مسؤولية أحفادٍ يرجونهن أن تخرج أمهاتهم قبل العيد، وفي غياب النساء عن منازلهن؛ قاصراتٍ وطالباتٍ جامعيات وصاحباتِ شأنٍ ومهن، قصصُ صبرٍ تكشف عن حجم معاناة المرأة الفلسطينية في كل جغرافيا البلاد.
في سجن الدامون وحده، تقبع نحو 79 أسيرةً معروفة أسماؤهن يقاسين ألم الاعتقال، وعددٌ آخر يرفع العدد الكلي إلى نحو 84 أسيرة في مراكز التحقيق والتوقيف أيضاً، جُلُّهن لهن عائلات كان الموت لهن أسهل من وقع اعتقالهن وتكبيل أيديهن وتعصيب أعينهن وحرمانهن من وداع أطفالهن.
يأتي هذا في الوقت الذي أصبح الاحتلال لا يفرّق فيه بين أسيرة وأسير، يمارس التنكيل بحقهم جميعاً على حدٍّ سواء، والقمع في سجن الدامون وجبةٌ متكررة، وحالة الطوارئ هناك مستأنفة منذ حرب السابع من أكتوبر، وأهالي الأسيرات يعيشون على أخبار زيارات المحامين الشحيحة للأسيرات، ويُحرمون هم من حق رؤيتهن وإيصال احتياجاتهن وطمأنتهن عن أبنائهن وجامعاتهن ومدارسهن وأعمالهن بشكلٍ مباشر.
أطفال الأسيرة دعاء إسماعيل البطاط (36 عاماً) سكان بلدة الظاهرية قضاء الخليل، يعيشون حالة حزنٍ عميق بسبب غيابها واعتقالها، يسألون جدتهم أسئلةً أكبر من سنهم ويرفضون أن يستقبلوا هذا العيد ووالدتهم ليست معهم، ينتظرونها حتى تعود وترافقهم في موسم الفرح القريب هذا، كي لا يضطروا إلى مشاهدة أمهات أقرانهم معهن، في حين لا يعرفون كيف أصبح حال والدتهم.
الأسيرة دعاء البطاط اعتُقلت بتاريخ 26/3/2026 وتركت مجبرةً خلفها 5 أبناء، تقول جدتهم: “طفل دعاء الأصغر لا يزال يفتقدها كل يوم منذ اعتُقلت ويبكي عليها يومياً، كل الأطفال استعدوا للعيد وملابس العيد إلا أولاد دعاء، يرفضون أن يلبسوا الجديد أو يشتروا الملابس لأن أمهم في السجن، اشتريت لهم ملابس العيد رغماً عنهم لكنهم يرفضون أخذها”.
تبذل عائلة الأسيرة دعاء البطاط جهداً كبيراً لإقناع أبنائها بأن فرحة العيد تُعاش رغم الآلام، فهم أطفالٌ لا يدركون بعد معنى الاستمرار بالحياة رغم الابتلاءات والألم، تقول جدتهم: “كل يوم أقنعهم بأن أمهم ستأتي، وحين تراهم حزينين ستحزن هي أيضاً، وأخبرتهم بأنها ستحزن إن لم يعيشوا كما باقي الأطفال ويفرحوا مثلهم ويلبسوا الجديد مثلهم أيضاً، ابنها الكبير يحب العيد كثيراً ويحضر هداياه فيه مسبقاً، لكنه في هذا العيد يرفض كل شيء ويقول: حتى تتحرر أمي”.
في كل يوم يمضي والأسيرة دعاء البطاط في السجن، يتعلق أبناؤها بغيابها أكثر فأكثر ويرفضون نسيانها، ففي كل لحظة يسألون عنها في كل تفاصيلهم، وهي الأسيرة التي لا تزال موقوفة بانتظار محاكمة جديدة لها بتاريخ 14/6/2026.
الأسيرة دعاء البطاط هي واحدة من أكثر من 24 أسيرة من الأمهات اللواتي لا يعتقل الاحتلال ذاكرتهن وحدها، بل يعتقل ذاكرة أطفالهن وصبرهم جميعاً، تمر عليهن مواسم العيد والأفراح بألمٍ مضاعف، ويحاولن في أسرهن أن يصنعن الفرح على قدر المستطاع، في الوقت الذي تحاصر فيه إدارة سجن الدامون طقوسهن العبادية والدينية وتفرض قوانين حتى على لباسهن، ما يضطر الأسيرات إلى تفصيل ملابس صلاة مرقعة أو كاملة من بطانيات موجودة في غرفهن ليصنعن لأنفسهن جوّ حياة، وإن كانت مؤلمة إلا أنها تقاوم غطرسة السجان ووحشيته.
في سجن الدامون أيضاً يأتي هذا العيد ليحاصر أسيراتٍ قاصرات، فلا تزال الطفلة ندى إياد بني عودة (17 عاماً) من محافظة طوباس قيد الاعتقال والتحقيق، وتقاسي محاكم كثيرة، وفي عمر طفولتها الذي كان لا بد أن تكون فيه بصدد شراء ملابس للعيد وفرحٍ لقلبها، أصبحت اليوم أسيرةً في سجون الاحتلال تقاسي مفاهيم تفوق عمرها وعمر دراستها وأحلامها المستقبلية.
بتاريخ 12/2/2026 اعتقل الاحتلال طفولة ندى لتمر عليها فرحة العيد خلف قضبان الاعتقال، ندى اعتُقلت فقط لأنها نعت شقيقها الشهيد وديع بني عودة ورثته على مواقع التواصل الاجتماعي، فاستكثر عليها الاحتلال هذا الحق.
وحتى هذا اليوم لا تزال الأسيرة منار إبراهيم كراجة (28 عاماً) من رام الله، قيد الاعتقال في سجن الدامون وتخضع للمحاكمة، وهي إحدى 3 أسيرات حوامل في الدامون، اعتقلها الاحتلال بتاريخ 30/4/2026، وهي أم لطفلين.
الأسيرة منار كراجة باعتقالها تركت خلفها طفلين مجبرةً، طفلاً وطفلة، وتقاسي إلى جانب الأسيرتين أمينة الطويل ودانا جودة ظروفاً اعتقالية استثنائية وصعبة، فهن أسيرات حوامل متواجدات في قسم واحد، ولا تتركهن إدارة السجن وشأنهن، بل يتم قمعهن أيضاً ويُحرمن باعتقالهن المستمر من فحوصات وأدوية وفيتامينات تحتاجها الحامل، خاصة في أشهر الحمل الأولى.
ليلى 3 سنوات، وأيمن 4 سنوات، هما طفلا الأسيرة منار كراجة اللذان ينتظران حريتها على أحرّ من الجمر، يعيشان بين جدتيهما خلال الأسبوع، وتتناقلهما الجدات بمحبة ورأفة في انتظار أن تنال أمهما حريتها، وبطفولتهما لا يعرفان معنى السجون.
أيمن تمر عليه لحظات الصباح حين يذهب إلى روضته دون أن تكون والدته هي من تجهزه، وهو الطفل الذكي الذي يردد دائماً في كل جلسة بأن أمه في السجن، ويشتاق إليها هو وشقيقته ليلى، وينتظران حريتها وعودتها إلى منزلها وحقها في حياةٍ مستقرة.
في العيد أيضاً قصة لطفلتين تشتركان في ذات الألم، الجغرافيا تختلف والأسماء كذلك لكن الابتلاء هو نفسه، ففي مخيم الدهيشة في بيت لحم الطفلة حور أسامة حماد (5 سنوات) تعيش حياة خالية من الأم والأب، فكلاهما معتقلان في سجون الاحتلال، بتاريخ 3/5/2026 اعتقل الاحتلال والدتها الأسيرة إسلام عبد المجيد عمارنة (31 عاماً) ولا تزال موقوفة حتى الآن، أما في تاريخ 23/7/2023 فقد اعتقل الاحتلال والدها أسامة حسن حماد (32 عاماً) ولا يزال موقوفاً أيضاً بانتظار محاكمة.
وكحور، تعيش طفلة أخرى في بلدة بيت فوريك قضاء نابلس ذات المعاناة، هي الطفلة إيلياء مصعب مليطات (8 سنوات)، فوالدتها الأسيرة أسيل عبد الكريم حماد (34 عاماً) معتقلة منذ تاريخ 3/6/2025، ووالدها مصعب مليطات (41 عاماً) اعتُقل بعد اعتقال زوجته بنحو 3 أشهر، وتُركت إيلياء تقاسي وجع انتظارهما في الوقت الذي يحكم حياتهما ملف اعتقالٍ إداري متجدد.
حتى يزول الاحتلال، ستبقى قصة حور وإيلياء تتكرر في جغرافية فلسطين، ستختلف الأسماء ربما والمدن والأحكام، لكن الألم مشترك، في العيد ستنظر إيلياء وحور من نافذة الانتظار، وستفتشان في كل الوجوه العابرة عن أطياف الأم والأب، وستسرقان من الطفولة شيئاً من معاني الفرح والسعادة.
بالنسبة للأسيرة شاتيلا أبو عيادة (33 عاماً) من بلدة كفر قاسم في الداخل المحتل، مرت أعيادٌ وآلامٌ لا تُعد على قلبها وذاكرتها، واختلفت وجوه الأسيرات عليها في قسمها عشرات المرات، وبدأت في كل مرة ذاكرة تعارفٍ جديدة على أسماء تدخل إلى القيد وتخرج إلى الحرية، وهي ثابتة في الزمان والمكان، العيد بالنسبة لشاتيلا، وعلى صبرها وإيمانها، لا بد أنه اسمٌ مجرد، وإن كانت الأسيرات يبذلن كل جهدهن لخلق مساحة من الفرح، فشاتيلا منذ تاريخ 3/4/2016 وهي تنتظر أن تقضي عيداً مع عائلتها كما اعتادت من قبل.
شاتيلا تواجه حكماً بالسجن مدة 16 عاماً، انقضى منهن نحو 10 أعوام، ولا تزال الذاكرة بانتظار أعياد كثيرة قادمة قبل أن تصل إلى العائلة والمنزل والحرية، فهي أقدم الأسيرات اعتقالاً، ورفض الاحتلال الإفراج عنها في صفقة المقاومة؛ فقط لأن جغرافيتها تنحدر من الداخل المحتل.




