تقارير وحوارات

منازل الأسرى فارغة.. والعيد يمرّ مثقلاً بالغياب

تعيش زوجات الأسرى، بشكل خاص، سباقاً لجلب الفرح لقلوب أبنائهن في كل عيد، يحاولن بكل قوتهن أن يسرقن لحظة فرح لأطفالهن، ويُجبن عن أسئلة طفولية كثيرة، ويبررن لهم سبب غياب الأب عن المنزل وسبب عدم اكتمال العيد للمرة الثانية والثالثة، ومنهن للمرة الرابعة وأكثر. بعضهم يعزف عن ارتداء لباس العيد، فتبدأ الأم معركة خاصة لإقناع عقولهم الصغيرة الكبيرة بأن الفرح واجب، وإن كان الألم قد تكدس في منزلهم حدّ عدم الاحتمال، وفي المنتصف أمهات أسرى ينتظرن حريتهم ليكون ذلك عيدهن الحقيقي.

نحو 9400 منزل هاجرت الأفراح بعيداً عنه منذ لحظة الاعتقال الأولى، وفي كل مناسبة تعود جروحهم لتُفتح من جديد، يغلقونها لفترة من الزمن بالصبر والتصبر، وتطرق المناسبة بابهم لترغمهم على فك ضمادة جروحهم وعيش حسرة الغياب مرة أخرى، وعيداً آخر. ومن هؤلاء، نحو 360 طفلاً مسروقين من الأعياد، معتقلين في السجون، خطفهم الاحتلال من مقاعدهم الدراسية، وخطف كل معنى للطفولة كان يجب أن يعيشوه بصورة طبيعية.

أعداد الأسرى الإداريين الذين كانت عائلاتهم تهفو إلى أن ينالوا حريتهم قبل العيد، ويُكتب لملفهم الإداري أن ينتهي، وصلت إلى نحو 3376 أسيراً، موزعين ما بين سجن مجدو وعوفر ومراكز التحقيق، ونحو 84 أسيرة معروفة أسماؤهن في سجن الدامون، وأعداد أخرى تفوق هذا الرقم لا تزال في مراكز التحقيق، تُسلب من حق المشاركة في فرحة عيد الأضحى، كما سُرق منهن حق الفرح في عيد الفطر وأعياد أخرى سابقة.

كل هذا الرقم لا يشمل من يصنفهم الاحتلال بـ”المقاتلين غير الشرعيين” من غزة، وكذلك من لبنان وسوريا، إذ يحتجزهم الاحتلال في معتقلات مستحدثة وقديمة، ولا يعرف ذووهم أخبارهم ولا كيف تمر هذه الأيام على قلوبهم وعقولهم.

في بيت لحم، تحديداً في منزل الأسير الإداري منير محمد العروج (41 عاماً)، والمعتقل منذ تاريخ 6/9/2025، يعيش الطفلان براء وإباء مع والدتهما غصة فقدان أبيهما أسيراً في سجون الاحتلال. تقول والدتهم: “في يوم العيد أرى الحزن في عيون أطفالي أكثر من أي يوم آخر، وأشعر أن غياب والدهم يكبر داخلهم عاماً بعد عام، العيد الذي ينتظره كل الأطفال بفرح، يدخل بيتنا محمّلاً بالاشتياق والوجع”.

تضيف زوجة الأسير العروج: “أطفالي لا يفتقدون أباهم كاسم فقط، بل يفتقدون تفاصيله كلها، صوته صباح العيد، ضحكته بينهم، يده التي كانت تمسك أيديهم، ونظرته المليئة بالحب والفخر وهم يرتدون ملابس العيد. ابني يقف طويلاً أمام صورة والده، يحدّثه وكأنه حاضر أمامه، ثم يصمت فجأة، وكأن قلبه الصغير أدرك أن الصورة لا تجيب. وأحياناً أراه يخبئ دموعه ويحاول أن يبدو قوياً، لكنه في النهاية طفل يريد والده فقط. أما ابنتي، ففي كل عيد تسأل السؤال نفسه: لماذا كل الأطفال معهم آباؤهم إلا نحن؟ ولا أعرف كيف يمكن لأم أن تشرح لطفلة صغيرة معنى الغياب والقهر والانتظار. أحياناً تحتضن صورة والدها وتنام بقربها، وكأنها تحاول أن تعوض نفسها عن حضن حقيقي حُرمت منه، حتى فرحتهم البسيطة بالعيد تبقى ناقصة”.

وتصف زوجة الأسير العروج ألم أبنائها لفقد والدهم أسيراً، فتقول: “حين يرى أطفالي الأطفال يركضون مع آبائهم، أشعر بانكسارهم بصمت. هم يحاولون أن يفرحوا لأجلي، وأنا أحاول أن أبدو قوية لأجلهم، لكن الحقيقة أن قلوبنا جميعاً متعبة من هذا الغياب. أنا كأم أعيش أصعب اللحظات عندما أعجز عن تعويض أطفالي عن والدهم، لأن الأب ليس شيئاً يمكن استبداله، بل هو الأمان والسند والروح التي تعطي للحياة معنى. وكل ما أتمناه في كل عيد أن يعود والدهم، ليعيش أطفالي فرحة العيد الحقيقية مرة واحدة من دون ألم أو انتظار”.

أما في الخليل، وتحديداً في منزل الأسير الإداري الشيخ رزق عبد الله الرجوب (65 عاماً)، والمعتقل منذ تاريخ 12/6/2023، والذي أمضى سابقاً في سجون الاحتلال، على مدار اعتقالات متفرقة، ما مجموعه 32 عاماً، فتعيش العائلة وجعاً مع اقتراب العيد لا يعلم أحد عنه شيئاً.

تقول زوجة الأسير الرجوب: “في هذا الاعتقال تحديداً، يكمل زوجي 3 سنوات متتالية، منها سنتان في العزل الانفرادي موزعتان ما بين عزل جانوت وعزل مجدو، وهو حالياً في عزل سجن مجدو. وصلني من أسير محرر أن زوجي يعاني من مشاكل صحية، خاصة في ظل هذه الأوضاع في السجون. هو يعاني مسبقاً من آلام في المعدة والمفاصل، والأسير الذي تحرر ونقل لي أخبار زوجي قال بأنه تغير كلياً بسبب سياسة التجويع، وأن شكله قد اختلف، وأنه تعرض للضرب المبرح في الآونة الأخيرة في إحدى القمعات رفقة بقية الشباب، وأكد لي بأنه يحتاج إلى رعاية صحية، فلم يُقدم له أي دواء لمعدته ولا للصداع المتكرر الذي يعاني منه”.

كيف لعائلة الأسير الرجوب أن تعيش فرحة العيد وهم يعلمون أنه لا يقوى إلا على القيام للصلاة، ويقضي معظم وقته على “البرش”، هذا إن لم يتم سحب الفراش منهم، وهو الذي قضى من عمره ما يقارب 32 عاماً متفرقة، معظمها في الاعتقال الإداري والعزل، والأخبار عنه شحيحة.

وتقول زوجة الأسير رزق الرجوب إن الوجع متراكم، لأن لديها ابناً آخر معتقلاً في سجن عوفر، أمضى حتى الآن 18 شهراً إدارياً، وهو محمد الرجوب (20 عاماً). وتضيف والدته: “محمد طالب سنة أولى في الجامعة، وأتم حفظ القرآن داخل الأسر. علمت من أسير محرر خرج من قسمه بأنه مصاب بالسكابيوس ويعاني من الشقيقة، ولم يُقدم له أي علاج، وبأنه تعرض لتحقيق في بداية اعتقاله وضرب، وأصيب بكدمات وجروح، ونحن كعائلة لا نقدر أن نرسل زيارات مكثفة للاطمئنان عليه، فحتى حق راتبهم كأسرى مقطوع”.

وفي الزيارة الأخيرة لنجل الأسير الرجوب، التي استطاعت والدته أن ترسلها له، علمت أنه تعرض لضرب مبرح، وكانت هذه الزيارة في شهر نوفمبر الماضي، فكيف لفرحة العيد أن تزور قلبها في ظل هذا التعتيم المعلوماتي حول أوضاع الأسرى ومنع زيارات الأهالي لهم.

وعن العيد، تحدثت زوجة الأسير الرجوب وقالت: “بالنسبة للأعياد، هذه حكاية أخرى، أكاد أقول إنني جلست في إحدى جلسات العائلة وقلت: ليتَ لا أعياد. البيت فارغ، لا حياة فيه، ولا أعرف كيف يمر العيد، ولا رمضان حتى. أيام ثقيلة جداً. زوجي حضر معنا أعياداً لا تُعد على أصابع اليد، وابني محمد هذا العيد الرابع بدونه. لا أتوقف عن التفكير في وضعهم، هل تناولوا الطعام؟ هل ناموا؟ هل لديهم لباس وأغطية؟ المناسبات عندي معدومة، سواء كانت أفراحاً أم أتراحاً”.

وتقسم زوجة الأسير الرجوب بأن الناس يتجهزون للعيد، بينما هي تعد الساعات لكيف سيأتي وكيف سينتهي، وتقول: “العيد بالنسبة لي يوم تحرير أسرانا فقط، أطلب الفرج لهم في هذه الأيام الفضيلة فقط من الله، وأن يجمعني بهم في القريب العاجل”.

في مخيم جنين، المجروح أصلاً، تعيش والدة ثلاثة أسرى جرحاً يضاف إلى جرح المخيم النازف، جرح عيد آخر ثقيل هذه المرة بغيابهم، وهم: منير أحمد سلامة (26 عاماً)، نور الدين أحمد سلامة (23 عاماً)، وفداء أحمد سلامة (18 عاماً). اعتُقل نور الدين وشقيقه منير بتاريخ 9/11/2023، في حين اعتُقل فداء بتاريخ 20/4/2026، وهم جميعاً في عداد التوقيف اليوم.

تقول والدتهم حول فرحة العيد المنقوصة وغصة اشتياقها لاحتضانهم وعودتهم إلى المنزل: “لا عيد في البيت، العيد غصة وألم، لا أجواء من دونهم، البيت ناقص من وجودهم، وفراغ كبير. منير ونور الدين هذا العيد السادس لهما بعيداً في السجون، وفداء أول عيد دونه. أنا، من قبل أن يحل العيد، أشعر بالاختناق، وعندما أسمع تكبيرات العيد مباشرة أبدأ بالبكاء وأتذكر كيف كنا جميعاً في المنزل”.

ورغم آلامهم، لم ينسَ نور ومنير وفداء شقيقتهم الصغرى، إذ بعثوا رسالة لوالدتهم بأنهم يعايدونها بشكل خاص، فهي صغيرتهم المدللة. وتقول والدتهم: “من الصعب أن أفقد ثلاثة أبناء من بيت واحد في العيد، وحتى خارج أيام الأعياد، جروحنا لم تُغلق، نتذكرهم في كل لحظة وثانية تمر، وفي كل مناسبة، وإن غابوا، يكونون حاضرين بيننا”.

زر الذهاب إلى الأعلى