بين الاعتقال والانتظار: حكاية عائلة بركات عودة

اقتحمت مفاهيمُ المحاكم ومراكز التحقيق والاعتقال الإداري والتوقيف والشهادة حياةَ عائلة الشهيد بركات عودة منذ عام 2022 وحتى اليوم، ولم تغادر تفاصيلَ منزلهم.
أم إياد، زوجة الشهيد بركات عودة، تحمل اليوم ألقابًا عدة تتجاوز حدود الصبر؛ فهي زوجةُ شهيد، وأمٌّ لأسيرة كانت تدرس في جامعتها آمنة مطمئنة، وأمٌّ لطفلٍ أسيرٍ يبلغ من العمر 15 عامًا، يحتلّ كل أمان قلبها وتفاصيل حياتها.
في تاريخ 15/1/2026، ومع بداية العام الجديد، اعتقل الاحتلال الطفلَ إياد بركات عودة (15 عامًا)، من سكان بلدة عناتا في القدس. وكانت الأم لا تزال تقاسي ألم اعتقال ابنتها تسنيم عودة (22 عامًا)، التي اعتُقلت بتاريخ 12/12/2024. تسنيم طالبة جامعية تدرس القانون، وكانت على وشك إنهاء دراستها حين وقف الاعتقال بينها وبين هذا الحلم. واليوم، تنتظر العائلة حريتها في شهر أيار المقبل، بعد حكم فعلي مدته عام ونصف.
مع بداية هذا العام، أُضيف ملف ألم إياد إلى ملف ألم شقيقته ووالده في قلب أمٍّ صابرة، تحارب الأيام شوقًا للقائهم. ولا يزال الاحتلال يحتجز جثمان الشهيد بركات عودة حتى اليوم، وكأنّ الآلام حين تزور البيوت الفلسطينية تأبى أن تأتي فرادى.
يشكّل اعتقال الشبل إياد عودة ألمًا مضاعفًا لوالدته، ليس فقط لصغر سنّه، بل أيضًا لاعتقاله في فترة تغيب فيها معلومات الأسرى عن ذويهم غيابًا شبه كامل، وفي ظل معاناته من مشاكل صحية تتطلب متابعة طبية عاجلة.
عند اعتقاله، أمضى إياد أسبوعين في تحقيق “المسكوبية”، قبل أن يصدر بحقه لاحقًا حكم إداري مدته أربعة أشهر. وقد استأنفت العائلة هذا الحكم الجائر، ليُخفَّف شهر من مدة اعتقاله، ويصبح تاريخ 16/4/2026 موعدًا تنتظره العائلة على أحرّ من الجمر لنيل حريته.
وفي ظل عدم التزام محاكم الاحتلال مؤخرًا بقرارات التثبيت والقرارات الجوهرية، تدرك العائلة أن اعتقال ابنها الإداري قد يُجدَّد، وأن مصيره سيبقى معلقًا حتى اللحظة الأخيرة.
يعاني إياد من وضع صحي خاص، إذ كان يُصاب بتشنجات، خاصة خلال شهر رمضان، وهو بحاجة إلى فحوصات طبية، منها تخطيط للدماغ. وقد طلب المستشفى الذي يتابع حالته حضوره لمراجعة دورية، إلا أن اعتقاله يحول دون ذلك. كما يحتاج إلى مراقبة دائمة، ويُمنع من ممارسة الأنشطة المجهدة كالسِّباحة والرياضة والتسلّق، فكيف لجسده أن يحتمل قسوة الاعتقال في ظل أوضاع السجون المعروفة؟
تعيش عائلة الأسير الشبل إياد عودة أيضًا صراع غياب أخباره؛ إذ لا معلومات لديها عنه منذ نحو ثلاثة أشهر. وقد قدّمت العائلة لإدارة السجون ملفًا يتضمن تقريره الطبي، لكنها لا تزال تجهل وضعه الصحي وظروفه داخل الاعتقال.
أما تسنيم، التي تنتظر حريتها خلال أشهر، فلا تعلم حتى اليوم باعتقال شقيقها. ويكفيها ألم غيابها عن مقاعد الدراسة، وافتقادها لوالدها الشهيد. وتعيش الأم صراع انتظارين متوازيين في الألم.
وقد تعمّد الاحتلال عزل تسنيم مدة أربعة أشهر في سجن الدامون. تقول والدتها إنها صُدمت حين رأت ملامحها في المحكمة وقد تغيّرت، وبدت هزيلة بفعل التجويع داخل السجون. واليوم، وبعد أربعة أشهر من العزل، لا تعرف العائلة كيف أصبحت أوضاعها، وكل ما تعلمه أمها أنها تعدّ أيام الحرية، وتطلب أكلاتها المفضلة والحلوى التي اشتاقت إليها.
على صفيح الوجع، يقف حلم الشبل إياد عودة معلّقًا بفعل اعتقاله. كان لا يزال طالبًا في الصف العاشر، ويحلم بتعلّم مهنة كهرباء السيارات. وحين اعتُقل ببراءته وطفولته، أرسل لوالدته يطلب منها إبلاغ مدرسته أن تنتظره، وأن تحتفظ له بمقعده حتى يعود ويكمل طريقه نحو أحلامه.




