محمد العكة.. مختار السجن الذي افترسه السكابيوس

في أكتوبر من عام 2023 بدأت حرب الإبادة على قطاع غزة، الحرب الأكثر دموية على مر التاريخ في سجلات الحروب وعدوان الاحتلال الإسرائيلي المتكرر على القطاع منذ احتله، الحرب التي أتت على الأخضر قبل اليابس، ولم يسلم منها شجر ولا حجر، فما بالنا بالإنسان؟
ولأن الإنسان في هكذا مواقف يتعلق بقشة، صدّق المواطن المغلوب على أمره أن من يترك شمال قطاع غزة متجهًا جنوب الوادي سينال الأمن والأمان، فما كان من العديد من المواطنين أن هرعوا إلى الجنوب، لعلهم يوفرون قليل من الطمأنينة لعوائلهم، ومنهم بطل قصتنا اليوم محمد رشيد العكة.
محمد رشيد العكة، مثله مثل أي مواطن غزي، متزوج ولديه من الأبناء عشرة، وكانت صحته “عال العال”، كان ميسور الحال، وأديبًا محبوبًا بين الناس، غني المال والنفس، ورزين العقل، أخذ في قرارة نفسه أن ينزح مع النازحين، لينجو بأطفاله، غير أنه لم يعرف أن هذه لحظة كتابة حكاية الوداع الأخير مع زوجته وأولاده، ففي الـ 15/11/2023 وخلال نزوحه مع عائلته من شمال قطاع غزة إلى جنوبه، اعتقلته قوات الاحتلال الإسرائيلي، والمثير جدًا للسخرية والوجع في آنٍ واحد أن تاريخ اعتقاله هو ذاته التاريخ الذي يزعم العالم فيه أنه تاريخ استقلال فلسطين!
نعود إلى محمد.. الذي غدا لقبه الأسير محمد منذ هذه اللحظة، دخل السجن معصوب العينين، وما أن فكّ له السجان عصبته، استقبله رفاقه بكل حب: “مين أبو عدي؟ فك الله أسرنا جميعًا”، التفوا حوله، فهو عزيز النفس، وغنيها قبل الأسر، وما يزال كما هو، يفضل الأسرى على نفسه، يعطي الطعام على حبه، ويصلح ذات البين، ويزرع الهدوء والطمأنينة في قلوبهم، حتى تحوّل لقبه من مجرد أسير إلى “مختار السجن”.
مكان قصتنا مع “مختار السجن”، هو سجن النقب في صحراء النقب جنوب فلسطين، وتحديدًا في القسم 11 من خيام النقب، حيث استمر المختار بجمع الأسرى حوله بكلامه اللطيف المهذب دون إجبار وادعاء، فكان هو الملاذ الآمن المعنوي داخل جدران السجن الصماء.
حاول مختار السجن أن يستمر مطولاً في دوره المهم جدًا في سجون الاحتلال، غير أن السكابيوس (الجرب) لم يمهله، فمع الإهمال المتعمد من إدارة السجن، وانعدام مقومات النظافة، كشف السكابيوس عن مخالبه، وانقض بكل قوته على الأسرى في السجون، وبدأ حربه بغزو أجساد الأسرى.
في مواجهة غزو السكابيوس، لم يتسلح الأسرى بما فيهم المختار محمد العكة بأي سلاح، فالماء شحيح، ولا يمكن عزل المصابين عن الأصحاء عزلاً صحيًا صحيحًا، ولا ملابس نظيفة معقمة، ولا دواء، ولا غذاء يساعد الجسم في المقاومة، ففي مواجهته السجان ترك الأسرى دون أي مقومات، وبدأت الأجساد تنهار جسدًا تلوى الآخر.
زحف الجرب وانتشرت الدمامل، ولم تفلح أي محاولة من محمد للصمود، لكنه رسم ابتسامة على شفتيه، ليستمر في بث الطمأنينة في قلوب رفاقه، مع الوقت تلاشت هذه الابتسامة، واستطاع الجرب أن يتمكن من جسده، فتمدد أرضًا، وتراجعت قدرته على ممارسة حياته الطبيعية.
وتدهورت حالته الصحية، احتبست السوائل في جسده، وحاول الأسرى استدعاء طبيب السجن، لكن الإدارة تجاهلت كل طلب، ولم يفلح زميله الأسير الطبيب في تقديم أي عون له، فالعين بصيرة واليد قصيرة، التمّ حوله الأسرى، وقد ارتمى جسده على أرض الزنزانة، وبدأ الزبد يخرج من شفتيه، احتضنه الأسرى، لعلهم يبثونه من حياتهم حياة.. لكنه دخل في مرحلة لفظ أنفاسه الأخيرة بين أيديهم.
نادوا مجددًا على السجان، جاء.. وقف على مقربة منهم، ولم يحرك ساكنًا، راقب المشهد ومختار السجن يلفظ أنفاسه الأخيرة ليرتقي إلى العلياء قبل أن يرحل عام 2024 ويسلم الراية لعام جديد!
رحل المختار في أواخر ديسمبر 2024 في ليلة باردة جدًا، وتحول مختار السجن من أسير إلى رقم في سجل شهداء الحركة الأسيرة، أما الجرب (السكابيوس) فاستسرش كاشفًا عن رغبته في اقتناص فريسة جديدة، وما من مغيث للأسرى منه!
لقراءة القصة في سلسلة “الأسرى كومكس”:
الحلقة الأولى: المختار
الحلقة الثانية: رحيل المختار
لعرض الفيديو الخاص بالقصة: محمد العكة.. حين يموت “مختار السجن” بصمت




