قلقيلية في ذاكرة السجون” أرقام تختصر حكايات أسرى وشهداء وأطفال خلف القضبان”

تحتفظ قلقيلية اليوم بجرح مفتوح يتمثل في وجود أسيرين من أبنائها يقضيان أحكامًا بالسجن المؤبد داخل سجون الاحتلال، بعدما رفضت سلطات الاحتلال الإفراج عنهما ضمن صفقة “طوفان الأحرار”، لتبقى سنوات عمرهما رهينة لقرارات السجّان. ولا يتوقف الخطر عند هذا الحد، إذ يواجه ثلاثة أسرى آخرون من المحافظة مصيرًا مشابهًا، في ظل توقعات بصدور أحكام مؤبدة بحقهم، ما يضاعف من حجم الألم الذي تعيشه عائلاتهم وهم يترقبون مصيرًا قاسيًا قد يُغلق أبواب الحرية أمام أبنائهم إلى أجل غير معلوم.
كما يقبع اثنا عشر أسيرًا من أبناء المحافظة داخل السجون بأحكام تزيد عن عشر سنوات، وهي سنوات لا تُقاس بطولها الزمني فقط، بل بثقلها النفسي والاجتماعي على الأسر التي تعيش تفاصيل الغياب القسري، وتُجبر على إعادة ترتيب حياتها حول كرسي فارغ على موائدها، وصوت غائب عن تفاصيلها اليومية.
أما الطفولة في قلقيلية، فلم تكن بمنأى عن آلة الاعتقال، فحتى نهاية شهر يونيو من عام 2025، بلغ عدد الأطفال المعتقلين من المحافظة سبعة أطفال، انتُزعت براءتهم مبكرًا، واستُبدلت ساحات اللعب بزنازين التحقيق، ليكبروا قبل أوانهم تحت وطأة القيد وأسئلة التحقيق القاسية.
وفي سجل الشهداء، دفعت قلقيلية ثمنًا آخر من أبنائها، حيث ارتقى شهيدان داخل سجون الاحتلال بعد حرب السابع من أكتوبر، في مشهد يجسد واحدة من أبشع صور الانتهاكات التي يتعرض لها الأسرى، حين يتحول الأسر إلى حكم بالموت البطيء في ظل الإهمال الطبي وسياسات القمع المتصاعدة.
ولا تزال نساء قلقيلية أيضًا حاضرات في مشهد الأسر، إذ تحتجز سلطات الاحتلال أربع أسيرات من المحافظة، يواجهن ظروف الاعتقال القاسية وما تحمله من انتهاكات نفسية وإنسانية، تاركات خلفهن عائلات وأطفالًا يعيشون قلق الغياب وانتظار لحظة الحرية.
وخلال عام 2025 وحده، شهدت محافظة قلقيلية أكثر من 800 حالة اعتقال، من بينهم تسع نساء وتسعة وأربعون طفلًا، في مؤشر خطير على تصاعد سياسة الاعتقالات الجماعية التي تستهدف مختلف فئات المجتمع الفلسطيني، وتحول حياة العائلات إلى دوائر مفتوحة من الخوف والترقب.
قلقيلية… حكاية المؤبدين الباقيين خلف القضبان
بعد الإفراج عن غالبية أسرى المؤبدات من محافظة قلقيلية، أبقى الاحتلال الإسرائيلي على اعتقال أسيرين فقط من أبناء المحافظة، ليبقيا شاهدين على قسوة الأحكام المؤبدة وسياسة الانتقام المستمرة بحق الأسرى الفلسطينيين. وهذان الأسيران هما رائد أحمد محمود الحوتري، ومحمد مصطفى ذرة، اللذان يمضيان سنوات عمرهما خلف القضبان، فيما تواصل عائلتاهما معركة الانتظار المفتوحة على أمل الحرية.
الأسير رائد الحوتري… 22 مؤبداً وجسد ينهكه الإهمال الطبي
يقضي الأسير رائد أحمد محمود الحوتري (53 عاماً) حكماً بالسجن المؤبد المكرر 22 مرة، منذ اعتقاله بتاريخ 21 آذار/مارس 2003، بعد مطاردة طويلة تعرض خلالها لتحقيق قاسٍ وتعذيب جسدي شديد. ولم تكتفِ سلطات الاحتلال باعتقاله، بل أصدرت بحقه واحداً من أقسى الأحكام التي طالت الأسرى الفلسطينيين، في محاولة للانتقام منه ومن دوره النضالي.
يعاني الأسير الحوتري أوضاعاً صحية بالغة الخطورة نتيجة الإهمال الطبي المتعمد داخل سجن نفحة، حيث يواجه تمزقاً في المعدة، ومشكلات في الكبد، وارتفاعاً في نسبة الدهون في جسده، إضافة إلى معاناته من مرض النقرس الذي تسبب له بإعاقة في الحركة. كما يعاني إصابة خطيرة في عينه بسبب وجود شظايا ناجمة عن إصابته أثناء اعتقاله وتعرضه للضرب، وهو بحاجة ماسة إلى إجراء عملية زراعة قرنية. ولا تتوقف معاناته الصحية عند هذا الحد، إذ يعاني أيضاً من مرض السكري، وأُصيب بمرض الجلد “السكابيوس”، إضافة إلى آلام مزمنة في الرقبة نتيجة التنكيل والضرب، فضلاً عن أوجاع دائمة في أسنانه.
وخلال حرب السابع من أكتوبر، تعرض الأسير الحوتري لانتهاك إضافي حين كسرت إدارة السجون نظارته الطبية مرتين، ما فاقم من ضعف الرؤية لديه وأدى إلى إصابته بصداع دائم. كما تسببت سياسة التجويع التي تمارسها إدارة السجون بفقدانه نحو 40 كيلوغراماً من وزنه، في مؤشر خطير على تدهور وضعه الصحي.
لم تقتصر معاناة الحوتري على المرض، فقد تعرض لمحاولة اغتيال لحظة اعتقاله، حين أُطلقت عليه رصاصة لم تصبه مباشرة، لكنها تسببت بإصابته بشظايا ارتطامها بالحائط، ولا يزال يعاني من آثارها حتى اليوم. كما حُرم من زيارة زوجته لمدة سبع سنوات متواصلة، في انتهاك صارخ لأبسط حقوقه الإنسانية.
وتختصر حياة الأسير الحوتري مأساة عائلية ممتدة، إذ تغيب الأبوة عن حياة نجليه مقداد وحور منذ أكثر من عقدين، حتى بات عمرهما يقترب من سنوات اعتقال والدهما التي تجاوزت 23 عاماً. كبر الابنان بعيداً عن دفء والدهما، فيما تلقى الحوتري ألماً مضاعفاً داخل الأسر بوفاة والديه، وكان آخرها وفاة والدته التي لم يعلم برحيلها إلا بعد أشهر، لينضم هذا الفقد إلى قائمة طويلة من آلامه داخل السجون.
الأسير محمد مصطفى ذرة… مؤبد و15 عاماً ومسيرة صمود داخل الأسر
إلى جانب الحوتري، يقضي الأسير محمد مصطفى ذرة (42 عاماً) حكماً بالسجن المؤبد إضافة إلى 15 عاماً، منذ اعتقاله بتاريخ 15 أيلول/سبتمبر 2003، بعد مسيرة طويلة من النضال. وخلال سنوات اعتقاله، تعرض محمد لجملة من الانتهاكات، أبرزها التنقل المتكرر بين السجون قبل أن يستقر أخيراً في سجن نفحة، إضافة إلى قيام الاحتلال بهدم منزل عائلته بتاريخ 3 تشرين الأول/أكتوبر 2005، في محاولة لمعاقبة عائلته والنيل من صمودها.
عرف الأسير محمد ذرة بشخصيته المحبة للحياة منذ طفولته، حيث نشأ عصامياً، وعمل في أحد مشاتل قلقيلية قبل أن يمتهن الحلاقة، إلى أن اختار طريق النضال دفاعاً عن بلاده ومقدساتها. وبعد نحو عامين من اعتقاله، صدر بحقه حكم المؤبد مضافاً إليه 15 عاماً، في واحدة من أقسى المحطات التي واجهها وهو في مقتبل شبابه.
لم يكن غياب محمد عن عائلته أمراً عابراً، فقد شكل فراغاً كبيراً في حياتهم، وتضاعف الألم حين هدم الاحتلال منزلهم بالتزامن مع صدور الحكم بحقه. ورغم ذلك، أظهر محمد شجاعة لافتة حين طلب من محاميه عدم إبلاغ عائلته بالحكم فور صدوره، مفضلاً أن يتحمل الصدمة وحده، ليقف في قاعة المحكمة شامخاً بإيمان راسخ بأن الحرية ستأتي يوماً.
وخلال سنوات اعتقاله، واجه محمد محطات قاسية، أبرزها وفاة والده في 17 نيسان/أبريل 2015، حيث حُرم من وداعه، إلا أنه ظل يعتبر نفسه سنداً لعائلته رغم وجوده خلف القضبان. وشارك محمد في إضراب الكرامة عام 2017، مساهماً في واحدة من أبرز معارك الحركة الأسيرة دفاعاً عن حقوق الأسرى وظروف حياتهم داخل السجون.
واصل الأسير محمد ذرة تطوير ذاته علمياً وثقافياً، فأنجز عام 2018 العديد من الدورات التعليمية في مجالات القانون الدولي وحقوق الإنسان والصحافة وإعداد الكوادر المتقدمة. كما عُرف بشغفه الكبير بالقراءة، ويواصل حالياً دراسة تخصص الخدمة الاجتماعية في جامعة القدس المفتوحة، واضعاً نصب عينيه مواصلة دراساته العليا مستقبلاً، إلى جانب محافظته على نشاطه الرياضي وتنظيم يومه رغم قسوة الأسر.
ويستمد محمد قوته وصبره من والدته وزوجته، اللتين تشكلان مصدر ثباته في مواجهة سنوات الاعتقال الطويلة. وقد فتحت حياته عام 2019 نافذة جديدة من الأمل حين اختارت شابة الارتباط به رغم حكمه المؤبد، لتبدأ رحلة انتظار مشتركة، تجهز خلالها بيتها على أمل اللقاء، وتواصل دعمها له كصوت ينقل أخباره، وقلب يشاركه الصبر، وعقل يرسم معه أحلام الحرية والحياة المستقرة.
الأحكام العالية… حكاية أسرى قلقيلية
تواصل سلطات الاحتلال فرض أحكام قاسية وطويلة بحق أسرى محافظة قلقيلية، في سياسة تهدف إلى مصادرة أعمار كاملة وتحويل سنوات الشباب إلى محطات انتظار خلف القضبان. وفي الوقت الذي يترقب فيه اثنان من أسرى المحافظة الموقوفين صدور أحكام عالية قد تتجاوز عشر سنوات، يقبع اثنا عشر أسيرًا آخرين داخل سجون الاحتلال وهم يقضون أحكامًا طويلة صدرت بحقهم مسبقًا وتجاوزت العقد من الزمن، في مشهد يجسد حجم المعاناة التي تعيشها عائلاتهم الممتدة بين القلق والترقب.
الأسير نور الدين اعمر… حكم مضاعف وعزل وانتهاكات صحية متواصلة
يُعد الأسير نور الدين عبد الله أعمر (44 عامًا) صاحب أعلى حكم بين أسرى محافظة قلقيلية من ذوي الأحكام التي تجاوزت عشر سنوات، إذ يقضي حكمًا بالسجن لمدة 55 عامًا. وينحدر الأسير أعمر من بلدة بيت أمين شمال غرب مدينة قلقيلية، وقد اعتقلته قوات الاحتلال بتاريخ الثاني من شباط/فبراير عام 2003، بتهمة مقاومة الاحتلال والانتماء إلى حركة الجهاد الإسلامي.
عقب اعتقاله، أصدرت محاكم الاحتلال بحقه حكمًا بالسجن لمدة 30 عامًا بتهمة المشاركة في أعمال مقاومة استهدفت مواقع عسكرية تابعة للاحتلال. واستمر تنفيذ الحكم على هذا النحو لسنوات، إلى أن شهد عام 2013 تصعيدًا جديدًا في قضيته، حيث أضافت سلطات الاحتلال 25 عامًا أخرى إلى مدة حكمه، ليرتفع مجموع محكوميته إلى 55 عامًا، كما أصدرت بحقه قرار عزل انفرادي لمدة خمس سنوات.
وبررت سلطات الاحتلال هذا القرار باتهام الأسير نور الدين بالتخطيط والتنسيق مع شقيقيه المحررين، نضال وعبد السلام أعمر، لتنفيذ عملية ضد الاحتلال، خاصة بعد تنفيذ شقيقه نضال عملية أسر جندي إسرائيلي وقتله. وادعت سلطات الاحتلال أن نور الدين كان العقل المخطط للعملية، وهو ما استخدمته ذريعة لتشديد الحكم عليه وفرض العزل الانفرادي بحجة اعتباره خطرًا أمنيًا.
وخلال سنوات اعتقاله، عانى الأسير نور الدين أعمر من ظروف صحية ونفسية صعبة، إذ يعاني من إصابة قديمة في يده ما زالت تؤثر على قدرته الحركية، إضافة إلى مشكلات في المفاصل وآلام حادة في الرأس. ورغم تدهور حالته الصحية، تواصل إدارة السجون حرمانه من العلاج اللازم، في إطار سياسة الإهمال الطبي التي تُستخدم كوسيلة عقاب إضافية بحق الأسرى.
وتحمل قصة نور الدين بعدًا إنسانيًا مؤلمًا داخل عائلته، فبينما نال شقيقاه نضال وعبد السلام حريتهما ضمن صفقة “طوفان الأحرار” بعد أن صدرت بحقهما أحكام بالسجن المؤبد إضافة إلى 20 عامًا عام 2015، بقي نور الدين وحيدًا خلف القضبان، ليواصل رحلة الأسر الطويلة بعيدًا عن عائلته وأحبته.
الأسير نضال داوود… أقدم أسرى قلقيلية تحت حكم السنوات الطويلة
ويبرز اسم الأسير نضال إبراهيم نمر داوود (55 عامًا) بوصفه أقدم أسرى محافظة قلقيلية الذين ما زالوا يقضون أحكامًا طويلة داخل سجون الاحتلال. فقد اعتقلته قوات الاحتلال بتاريخ الثاني والعشرين من نيسان/أبريل عام 2002، ويقضي حكمًا بالسجن لمدة 25 عامًا.
ويمثل اعتقال الأسير داوود واحدًا من أقدم ملفات الأسرى في المحافظة، حيث أمضى سنوات طويلة من عمره داخل السجون، في ظل ظروف اعتقال قاسية وسياسات تضييق مستمرة تستهدف الأسرى أصحاب الأحكام العالية، الذين يتحول الزمن بالنسبة لهم إلى معركة يومية مع القيد والحرمان.
أسيرات قلقيلية في الدامون
تواصل سلطات الاحتلال اعتقال أربع أسيرات من محافظة قلقيلية داخل سجن الدامون، حيث يواجهن ظروف احتجاز قاسية تتنوع بين الإهمال الطبي، والاعتقال الإداري، والحرمان من التعليم، إضافة إلى سياسات القمع والتنكيل التي تطال الأسيرات بشكل ممنهج داخل السجون.
تُعد الأسيرة فداء سهيل عبد اللطيف عساف (49 عاماً) من أبرز الأسيرات من محافظة قلقيلية، وهي تعاني من مرض سرطان الدم، في ظل تدهور متسارع في وضعها الصحي داخل الأسر. تنحدر عساف من قرية الفندق قضاء قلقيلية، وهي أم لطفلة وحيدة تدعى “قطر الندى”، التي لا تفارق صورتها ذاكرة والدتها داخل السجن.
اعتقلت الأسيرة عساف بتاريخ 24 شباط/فبراير 2025 عبر حاجز عسكري طيّار أثناء عودتها من المستشفى في رام الله إلى منزلها. وبعد اعتقالها، جرى نقلها بين عدة مراكز احتجاز شملت سجن “أريئيل” ثم “الشارون” و”كيشون”، قبل أن تُنقل لاحقاً إلى سجن الدامون.
تعاني الأسيرة عساف من تدهور صحي واضح نتيجة إصابتها بسرطان الدم، إلا أن إدارة السجون تكتفي بتقديم المسكنات لها دون توفير العلاج اللازم لحالتها المرضية، في واحدة من صور الإهمال الطبي التي تواجهها الأسيرات. كما تواجه عساف ظروف اعتقال قاسية تشمل التنكيل والتجويع، شأنها شأن باقي الأسيرات في سجن الدامون.
وتواصل سلطات الاحتلال احتجازها على خلفية اتهامات تتعلق بالتحريض عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث جرى تمديد موعد محاكمتها حتى تاريخ 11 شباط/فبراير 2026، لتبقى بين ألم المرض وقسوة الاعتقال، بعيداً عن طفلتها التي تعيش حرماناً قاسياً من والدتها.
وتقبع في سجن الدامون أيضاً الأسيرة مياس نعيم أحمد عرمان (25 عاماً)، وهي طالبة طب بشري في سنتها الخامسة في جامعة النجاح الوطنية. اعتقلت عرمان بتاريخ 18 كانون الأول/ديسمبر 2025 عبر حاجز عسكري طيار قرب قلقيلية، قبل أن يصدر بحقها حكم بالاعتقال الإداري لمدة ثلاثة أشهر ونصف.
ولدت الأسيرة مياس بتاريخ 28 حزيران/يونيو 2001، وكانت على أعتاب إنهاء دراستها الجامعية، إلا أن اعتقالها حرمها من استكمال تعليمها بصورة طبيعية. وتعيش عرمان ظروف احتجاز صعبة داخل سجن الدامون، حيث تعاني الأسيرات من البرد الشديد ونقص الملابس والاحتياجات الأساسية، إلى جانب الظروف المعيشية القاسية التي تفرضها إدارة السجون.
ومن بين أسيرات قلقيلية أيضاً الأسيرة سماح بلال صوف الحجاوي (مواليد 18 آب/أغسطس 1999)، والتي تعيش تجربة الاعتقال للمرة الثالثة. فقد اعتقلتها قوات الاحتلال بتاريخ الأول من نيسان/أبريل 2025، وصدر بحقها لاحقاً حكم بالاعتقال الإداري لمدة ستة أشهر.
كانت الحجاوي قد اعتقلت للمرة الأولى خلال شهر أيار/مايو 2022، قبل أن تنال حريتها ضمن صفقة التبادل في تشرين الثاني/نوفمبر 2023، إلا أن الاحتلال أعاد اعتقالها في تشرين الأول/أكتوبر 2024، وأفرج عنها في كانون الثاني/يناير 2025، قبل أن يعيد اعتقالها مجدداً بعد أشهر قليلة.
تصف الحجاوي تجربتها الأخيرة بأنها الأقسى، مشيرة إلى أنها لم تتمكن من عيش حياة الحرية بعد الإفراج عنها. ففي فجر الأول من نيسان/أبريل 2025، اقتحمت قوات الاحتلال منزل عائلتها بمشاركة أكثر من 70 جندياً وجندية، حيث جرى اعتقالها مع والدها بذريعة البحث عن هاتف محمول، في خطوة اعتبرتها العائلة وسيلة ضغط لا أكثر.
احتجزت الحجاوي بداية في معسكر قلقيلية لمدة أربعة أيام، قبل نقلها إلى سجن الشارون ليوم وليلة برفقة الأسيرة فاطمة جسراوي، ومن ثم نقلها إلى سجن الدامون حيث لا تزال تقبع حتى اليوم.
كما تعتقل سلطات الاحتلال الأسيرة ميس زياد نزال (21 عاماً)، وهي طالبة في جامعة القدس المفتوحة تدرس تخصص القضاء الشرعي. اعتقلت نزال بتاريخ 5 كانون الأول/ديسمبر 2025 من منزلها، حيث جرى نقلها بداية إلى مركز “تسوفيم” ثم إلى سجن “هشارون”، قبل تحويلها إلى سجن الدامون.
تحتجز نزال حالياً ضمن تصنيف “أسيرة موقوفة”، حيث خضعت لعدة جلسات تمديد توقيف أمام المحاكم العسكرية التابعة للاحتلال بانتظار صدور حكم نهائي بحقها. ولا توجه لها تهمة واضحة، إلا أن سلطات الاحتلال تتهمها بالتحريض عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
تعرضت نزال خلال فترة التحقيق لظروف قاسية شملت الحرمان من النوم والضغط النفسي والتهديد، فيما جرى لاحقاً تحويل اعتقالها إلى الاعتقال الإداري لمدة أربعة أشهر، في ظل استمرار احتجازها داخل سجن الدامون وسط ظروف معيشية صعبة.
شهداء قلقيلية في السجون بعد السابع من أكتوبر
في أعقاب حرب السابع من أكتوبر وما رافقها من تصعيد واسع داخل سجون الاحتلال، ارتقى اثنان من أبناء محافظة قلقيلية شهداء داخل المعتقلات الإسرائيلية، في مشهد يعكس حجم الانتهاكات المتصاعدة بحق الأسرى الفلسطينيين، سواء عبر التعذيب أو الإهمال الطبي المتعمد.
الشهيد ثائر أبو عصب… 18 عاماً من الأسر انتهت تحت التعذيب
استشهد الأسير ثائر سميح أبو عصب (38 عاماً) من مدينة قلقيلية بتاريخ 18 تشرين الثاني/نوفمبر 2023 داخل سجن “كتسيعوت” في النقب الصحراوي، بعد تعرضه لاعتداء جسدي عنيف أدى إلى إصابته بجروح قاتلة أودت بحياته.
وكان أبو عصب معتقلاً منذ عام 2005، حيث كان يقضي حكماً بالسجن لمدة 25 عاماً. وقد انخرط في العمل النضالي منذ اندلاع انتفاضة الأقصى وهو في مطلع العشرينيات من عمره، وتعرض للمطاردة لفترة طويلة قبل اعتقاله. وخلال التحقيق معه عقب اعتقاله، خضع لتعذيب قاسٍ استمر ثلاثة أشهر داخل مركزي تحقيق “الجلمة” و”المسكوبية”، كما تعرض للعزل الانفرادي عدة مرات خلال سنوات أسره، كان آخرها في العام الذي سبق استشهاده.
ورغم قسوة ظروف الاعتقال، تمكن الشهيد أبو عصب من استثمار سنوات أسره في استكمال تعليمه، حيث حصل على شهادة الثانوية العامة داخل السجن.
وفي تطور لاحق، كشفت مصادر قانونية عن توجه الادعاء العام الإسرائيلي لتقديم لوائح اتهام بحق 12 سجاناً من مصلحة السجون، للاشتباه بتسببهم في وفاة الأسير نتيجة ما وصف بـ”الإهمال المفرط” الذي يرقى إلى القتل غير العمد. وأشارت التحقيقات إلى ضلوع السجانين في الاعتداء الجسدي العنيف على الشهيد داخل زنزانته، وهو ما أدى إلى إصابات قاتلة انتهت باستشهاده.
الشهيد عبد الرحيم عامر… اعتقال قصير انتهى بالشهادة
وفي سياق متصل، استشهد الأسير عبد الرحيم عبد الكريم عامر (59 عاماً) بتاريخ 13 نيسان/أبريل 2024 داخل سجن “هداريم”، نتيجة إصابته بمرض السرطان وتعرضه للإهمال الطبي خلال فترة اعتقاله.
وكانت قوات الاحتلال قد اعتقلت عامر بتاريخ 17 آذار/مارس 2024، وصدر بحقه حكم بالسجن لمدة شهر واحد فقط بذريعة دخوله إلى الأراضي المحتلة عام 1948 دون تصريح. إلا أن وضعه الصحي المتدهور داخل السجن، وحرمانه من الرعاية الطبية المناسبة، أديا إلى استشهاده بعد أسابيع قليلة من اعتقاله.



