أبو محمد الأسير.. ذاكرة فلسطينية ارتقت بلا رقم

يُقال إن أردئ أنواع الحبر -القلم الرصاص- أفضل من أية ذاكرة بشرية قد تعتريها عوامل ما تجعل الخلايا المسؤولة عن تخزين الذكريات تتوقف، وتعلن عجزها التام عن استرجاع موقف أو حدث، غير أن هذا لم يحصل مع صاحب قصتنا اليوم أبو محمد الرجل السبعيني.
فـ أبو محمد فلسطيني عايش تاريخ فلسطين، تلك البقعة الطاهرة التي لم تظفر باستراحة محارب على مر العصور، وحمل في خلايا ذاكرته الغضة آنذاك نكبة الوطن المهجر في العام 1948، ثم كتب الله له النجاة من نكسة عام 1967، وصار عقله أرشيف حيّ يحكي لمن بعده ما عاصر من أهوال ومصاعب.
سكن مخيم الشاطئ، على ساحل البحر الأبيض المتوسط، وعايش ما مر على قطاع غزة بعد ذلك من نكسات وحروب وأهوال واجتياحات، وحفظ كل زاوية من زوايا المخيم، وأضافها إلى ذاكرته المتخمة بالأحداث، إلى أن وصل إلى سن التقاعد.. ما تبقى له بعد التقاعد عائلته الجميلة، وقفص حمام صار نافذته على الحياة.
أبو محمد لم يكن يشارك غزة مصيرها بذاكرته فقط، ففي إحدى الحروب التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي بين حين وآخر على القطاع، تعرض للإصابة بطلق ناري متفجر في فخذه، أدى إلى بتر ساقه من أعلى الفخذ، لم يفت هذا في عضده، واستمرت حياته وتخزين الذكريات إلى أن شن الاحتلال حربه الأكثر دموية على قطاع غزة في أكتوبر 2023.
قد يعتقد البعض أن إصابة أبو محمد منعت قوات الاحتلال من التعرض له بالأذى، إذ كيف يمكن لهم أن يعتقلوا شخصًا بساقٍ مبتورة، غير أن الذي حدث العكس تمامًا، اعتقلته قوات الاحتلال بدعوى أنه ينتمي إلى وحدة النخبة في كتائب القسام، الرجل الطاعن في السن ومبتور الساق، يصرّ الاحتلال على أنه مقاوم!!
اعتقل أبو محمد وألقي به في غياهب معتقل سيديه تيمان! على الأرض دون علاج ولا رعاية، بين جدران قاسية، فامتزج ألمه الجسدي بالعزل والإهمال الطبي في سجون الاحتلال.
أحوال الاعتقال الفظيعة فتحت جرحه القديم لقدمه المبتورة، وتقرح ظهره من طول بقائه ملقى على الأرض، ورويدًا رويدًا بدأ جسده ينحل ويضعف ويفقد قواه، حتى بات لحمه يذوب من وطأة الألم والإهمال، واقترب هيكله العظمي من الظهور! كل هذا وإدارة المعتقل تتجاهله تمامًا.
حاول رفاقه الأسرى معصوبي الأعين في سيديه تيمان تقديم أي مساعدة له، غير أنه لم يكن بيدهم أي حيلة، فارتقى أبو محمد إلى ربه يشكو ما حلّ به من وهن وعجز.
بارتقائه ثارت الدماء الحرة في عروق رفاقه الأسرى، فانتفضوا في وجه إدارة السجن بهتافات عالية، احتجاجًا منهم على ما مرّ به أبو محمد من تعذيب وإهمال طبي حتى ارتقى إلى ربه، فما كان من إدارة السجن إلا أن واجهت انتفاضتهم بمزيد من القمع والتعذيب، وغدا القمع روتينًا يوميًا لمعتقل سيديه تيمان.
لم تنته قصة أبو محمد عند هذا الحد.. أبو محمد الأسير الشهيد المرتقي، ارتقت عائلته أيضًا في حرب الإبادة على قطاع غزة، وحكاية ارتقائه في الأسر تناولها فقط الأسرى المحررون، فهو مع الأسف لم يكن حتى رقمًا معترف به في سجلات شهداء الحركة الأسيرة؛ فالاحتلال الإسرائيلي لم يبلغ مؤسسات الأسرى باسمه ووقت ارتقائه.. فهو حتى الآن المجهول في الأرض، المعلوم في السماء.. إلى متى؟!
لقراءة القصة في سلسلة “الأسرى كومكس”:
الحلقة الأولى: بين نكبتين!
الحلقة الثانية: رحيلٌ عاصف
لعرض الفيديو الخاص بالقصة: أبو محمد.. ذاكرة ارتقت بلا رقم!




