كمال جوري… جسدٌ مثخن بالشظايا وأسيرٌ في مقبرة جلبوع

كان من الممكن أن تبحث والدته اليوم له عن شريكة حياة، تؤسس له منزلاً بحنانها، وتتابع تجهيزاته لحياة مطمئنة، تمارس دوراً أمومياً طبيعياً؛ أحلامٌ بسيطة، وسهرةٌ عائلية، ومائدة طعامٍ دافئة، وبيتٌ مستقر، وأصوات ضحكاتٍ ومناسباتٍ سعيدة. لكن في البلاد التي سُلبت كرامتها باحتلالٍ يسرق الأرض والأعمار، يختلف دور الأمومة تماماً، ويفوق حدَّ المطلوب، بل يتجاوز حدَّ الصبر وحدَّ الاستيعاب لأي عقل.
اليوم تقف الأم خلف اختيارات أبنائها بكل ما أوتيت من قوة. لم تعد فرضية البحث عن حياة مستقرة ودافئة لهم هي المطلوبة، بل أصبحت هناك التزامات أخرى: وقفة تضامنية، متابعة قانونية، ملاحقة حجوزات لمحامين، ومناشداتٌ للعلاج. اليوم اختُصرت الأحلام في كلمة واحدة ترغب كل أم أسير أن تزور بيتها: الحرية.
كمال هاني كمال جوري (26 عاماً) من مدينة نابلس، اسمٌ تقف خلفه أمٌ صابرة تبذل كل جهدها كي تراه حراً بصحته أمامها. تتابع أخبار سجنه في جلبوع، وتعلم ماذا يعني هذا السجن للأسرى أصحاب الأحكام المؤبدة. كل خبرٍ يصل يرهق قلب العائلة، والأخبار القادمة من جلبوع ليست مطمئنة.
هذا السجن سيئ الصيت يمارس، بكل وحشيته، أساليب قمعية بحق الأسرى تصيب قلب الإنسان في مقتل؛ قيادات الحركة الأسيرة تواجه بالضرب الذي يهدف إلى إعدامهم وإذلالهم أمام مجتمع الأسرى، وكل ما حولهم يتحول إلى رماد في طريق هذا التنكيل. الصعقات الكهربائية حاضرة هناك، والقمع الليلي اليومي حاضر، وبرد الزنازين والعقوبات متكرر، والجوع أصبح عدواً آخر يقف في مواجهة أجساد الأسرى، فيما تنهش الأمراض الجسدية والنفسية والجلدية صحتهم دون علاج. أصبحت الشمس حلماً، والهواء النقي رفاهية، والماء الدافئ سراباً، وأدوات النظافة وسيلة إذلال، أما الأغطية فلا تقي برداً ولا جسداً.
تحدث مكتب إعلام الأسرى إلى والدة الأسير كمال جوري للوقوف على ظروفه الإنسانية والصحية في سجن جلبوع، وعلى مطالب العائلة ومناشداتها بضرورة نيله حريته وحقوقه الطبية، ولمعرفة قصة أسيرٍ محكومٍ بالمؤبد من مدينة نابلس، أحد 118 أسيراً مؤبداً، وواحد من 21 أسيراً مؤبداً من محافظته، تسرق السجون أعمارهم ببطء.
بعد نحو خمسة أشهر من المطاردة والتعقب منذ تاريخ العملية الموافق 11/10/2022، وتحديداً بتاريخ 13/2/2023، أخذت حياة الأسير كمال جوري بُعداً آخر. أصوات رصاص واشتباك قرب قرية دير شرف، وخبرٌ بأن الاحتلال اشتبك مع شابين من مدينة نابلس يتهمهما بتنفيذ عملية مستوطنة شافي شمرون التي أسفرت عن مقتل جندي إسرائيلي. أطلق الاحتلال النار عليهما واعتقلهما على قيد الحياة تحت عبارة نشرها في إعلامه العبري: “أُغلق حساب مهم الليلة”. وما بعد ذلك فصولٌ من المعاناة لا تعلم عنها إلا العائلة.
في ذلك التاريخ اعتُقل كمال جوري برفقة الأسير المؤبد أسامة علاء عبد الستار الطويل (26 عاماً)، بعد أن أُصيب كلاهما إصاباتٍ بالغة.
تعرّض الأسير كمال جوري لإصابة في منطقة الحوض تسببت بتهتك في العصب المسؤول عن المسالك البولية، وتركت لديه 12 شظية في العمود الفقري، ما اضطره إلى استخدام كيس بول بشكل دائم. وأصبحت الفحوصات الطبية والمتابعة الصحية والعلاج والأدوية رفاهية داخل سجون الاحتلال بعد حرب السابع من أكتوبر، ما يترك الأسير، بحسب تأكيد العائلة، أمام خطرٍ حقيقي على حياته الصحية على المدى الطويل. واليوم لا تطالب عائلته فقط بتوفير علاج حقيقي له، بل تريده حراً بينهم، ينال خلاصه من السجون وظلامها.
تؤكد عائلته أنه يقبع في سجن جلبوع، ويعاني من أوجاع مستمرة وشديدة، وآلام في قدميه، كما أُصيب منذ أكثر من عام بمرض السكابيوس. ويتعرض للقمع وهو في ذات غرفة الأسير عبد الله البرغوثي. وفي شهر يناير الماضي تعرض قسمه لاقتحام كبير، أُصيب خلاله بآثار ضرب وتنكيل أدت إلى تكسير سنه الأمامي.
محاولة اغتيال
بدأت الحكاية الصحية للأسير كمال جوري منذ لحظة اعتقاله، إذ نقله الاحتلال إلى مستشفى “بيلنسون” بعد الاشتباك معه. وهناك لم تنتهِ القصة، بل تعرض لمحاولة اغتيال صريحة، حيث أقدم شقيق القتيل الذي سقط في العملية على وضع مسدس في رأسه ومحاولة إطلاق النار عليه لإعدامه، إلا أنه نجا بعد أن أطلق صرخةً عالية.
لاحقاً نُقل إلى ما يسمى بعيادة سجن الرملة. ورغم أوجاعه، كان الأسير المحب للحياة والإنسانية ينسى آلامه ويساعد الأسرى المرضى هناك، ومكث على كرسي متحرك لمدة سبعة أشهر. ثم نُقل إلى سجن مجدو، وبعد صدور حكم مؤبد بحقه إضافة إلى 28 عاماً وتعويض مالي لعائلة القتيل بقيمة 750 ألف شيقل، نُقل إلى سجن جلبوع.
بتاريخ 22/6/2023 أقدم الاحتلال على تفجير منزل الأسير كمال جوري كأسلوب عقاب جماعي للعائلة. ولم يكن ذلك الانتهاك الأول بحقهم؛ فقد اعتُقل والده في بداية اعتقاله ومكث في السجون شهرين، كما اعتُقل شقيقه وقضى 26 شهراً في سجون الاحتلال.
جلبوع… ساحة جريمة متكاملة الأركان
لم يعد جلبوع مجرد سجن؛ فبعد حرب السابع من أكتوبر أصبح مسرح جريمة صامتاً إلا من صراخ الأسرى. الأجساد هناك تُباد بصمت، والأوضاع، بحسب شهادات أهالي الأسرى ومحاميهم، كارثية.
تطالب عائلة الأسير كمال جوري عائلات الأسرى بالتوحد والوقوف صفاً واحداً أمام إدارة هذا السجن، ورفع قضايا قانونية ضد ممارساتها، كما تطالب بنقله وإعادته إلى سجن الرملة، إذ إن وضعه الصحي لا يحتمل البقاء في جلبوع.
وتقول العائلة:
“كمال بحاجة إلى كيس بول بحجم واحد، لكن إدارة السجون تعطيه أكياساً بأحجام مختلفة، ما يسبب آثاراً صحية خطيرة، من التهابات وتسمم وأوجاع في البطن والظهر. سجن جلبوع يفتقر إلى أدنى مقومات الحياة الآدمية. وعند معاقبة الأسرى يُزال النايلون عن نوافذ الغرف ليلفح البرد القاتل أجسادهم. الأسرى يعلمون أن القمع الليلي شبه يومي، لذلك يتناوب أسرى الغرفة الثمانية على السهر؛ أربعة يسهرون وأربعة ينامون، لتخفيف وطأة الاقتحامات المفاجئة. القيادات في سجن جلبوع تتعرض لصنوفٍ من الإذلال، وجميع الأسرى يتشاركون هذا الأذى النفسي والجسدي”.
اليوم تختصر مطالب عائلة الأسير المؤبد كمال جوري في جمل بسيطة: التحام الأهالي حول قضايا أبنائهم بشكل أكبر، الحرية لنجلهم، المطالبة بعلاجه وخلاصه من ملحمة سجن جلبوع، وأن يعود إلى منزله آمناً مطمئناً، وأن تنتهي حالة الطوارئ المتجددة في سجون الاحتلال والقائمة في قلوبهم أيضاً.



