مدفأة بالكرتونة والربيع مؤجل.. حمزة منصور

“ربيعي المؤجل منذ عام يحل باكرًا هذه المرة”، لذا سارعت إلى السوق من فورها، يسبق قلبها خطواتها، مع أن الربيع سيحل باكرًا غير أنها لابد أن تهيأ له ما يلزمه من دفء وحنان وجو أسري، إذًا الحل بشراء مدفأة جديدة تزين غرفة الربيع ليستعيد معها أجواء طفولته بعد قرابة عام من فصولٍ لا ربيع فيها.
بعد شراء المدفأة، جلست تتصفح الأخبار، تمر مرورًا عابرًا عليها، فكل ما يهمها الآن فقط أن ربيعها آتٍ، لحظة.. ما هذا الخبر؟ معقول؟ مستحيل؟ فركت عينيها مرتين وربما ثلاثة لا تدري، قرأت الاسم مجددًا، لا لا لم يخبرها المحامي بالأمر، لماذا؟ الربيع لن يأتي؟
نظرت إلى المدفأة، ما زالت في صندوقها الكرتوني، رفعتها فوق الخزانة في غرفة الربيع، عادت تجر أذيال الخيبة والوجع بعد لمحات الأمل القصيرة، نظرت إلى صورة الربيع، وهيأت نفسها لجولة أخرى في صباح اليوم التالي، لم يكن طريقها هذه المرة السوق، إنما حملت صورة الربيع وغطتها بقطعة من الثياب، وانطلقت في طريقها لا تلوي على شيء غير أن تقف ذات الوقفة الأسبوعية تناشد وتطالب وتدعو العالم أجمع أن يعيد لها الربيع.
من هو ربيعها؟، سئلت الأعرابية قديمًا: من أحب أبنائك إليك؟ فقالت: الصغير حتى يكبر، والمريض حتى يشفى، والغائب حتى يعود، وربيع قصتنا يحمل كل هذه الصفات، فهو الصغير لديها، ومريضها الغائب قسرًا عنها، فمنذ عام وأيام سلمته بنفسها لمصيره، ويا ليتها لم تفعل!
ربيع قصتنا حمزة بشار منصور أكمل (17 عامًا) فقط، وقفت عائلته كلها وقفة شامخة، لتنتزعه من براثن سجن جنيد عند السلطة، لم توفر جهدًا ولا وقتًا، وأخيرًا حمزة حر، “لنعد للمدرسة” حدثته أمه، لنعوّض ما فات من دروس، لا تقلق سيكون كل شيء بخير.
لكن لا تجري الرياح بما تشتهي السفن، اتصال ورد له، توقفت القلوب عن الخفقان، وأرهفت العائلة السمع، “من المتصل يا حمزة؟”، “ضابط المخابرات يما”، وقعت القلوب أرضًا، معقول اعتقال آخر جديد؟ لم تلتقط أنفاسك من اعتقال السلطة!!!!
“ما تكلكيش بس مقابلة، بس لازم يجي” بعربية ركيكة رد ضابط المخابرات على أم حمزة، صدقته، وفي اليوم الموعود ذهبت برفقة ربيعها إلى مركز تحقيق حوارة، جلسا طويلا بانتظار المقابلة، حتى أنه من طول الانتظار رشّ من عطرها عليه، لتعلق رائحتها بثيابه، وهو لا يدري أنه سيكون في أمس الحاجة لرائحتها.
أخيرا حان دوره، دخل وحده ليقابل مخابرات الاحتلال، وبقيت أم الربيع خارجًا، بعد ساعتين ونصف خرج الضابط يخبرها أنه قيد الاعتقال، “غادري”.
لم تغادر، قالت: “وعدتني أنها مجرد مقابلة، وسيعود معي للمنزل، أين وعدك؟”، نظر إليها بنظرة تحمل معنى واحدًا، “منذ متى يصدق اليهود عهدهم؟”، خرجت أم الربيع، تجر قلبها خلفها، وتندب حظها أن سلمت صغيرها بيدها للاعتقال، بعدما قطعت نصف المسافة، أعاد الضابط الاتصال عليها: “تعالي ودعيه، بدنا نرحله يلا ع السجن”.
طارت سريعًا لتعود إلى مركز التحقيق، حضنته وضمته وشمّته جيدًا، استودعته الله، ذكرته بالصلاة والصيام، وتنبهه أن يبقى رجلا بصفاته وتعاملاته حتى وإن كان صغير السن، والضابط يستهزئ بتوصياتها، نظرت له بنصف عين: نحن نربي رجالا غصب عنك!، وفارقت الربيع في 9/2/2025.
الربيع حمزة منذ هذا التاريخ، اعتقل إداريًا، ويقبع حاليًا مع الأسرى الأشبال في سجن مجدو، وحصل على تجديد الإداري للمرة الرابعة على التوالي، وكل تجديد مدته 4 شهور دفعة واحدة، غير أن التجديد الأخير لم يكن على بال أمه ولا خاطرها.
فالمحامي لم يطلعها أن هناك تجديدًا فسارعت لشراء المدفأة الجديدة، وجهزت لحمزة لتطبخ له طبخته المفضلة، فهو يرسل لها سلامًا مع كل أسير محرر ويبلغها اشتياقه، ورغبته بتناول المجدرة اللذيذة من تحت يديها.
هي لم تستطع زيارته في سجنه أبدًا، لكنها رسمت صورة لما يعانيه داخل السجن من كلام رفاقه المحررين، فالبرد يلتهم أوصالهم، لأن إدارة السجن ترفض إدخال الملابس الشتوية لهم، ولا طعام يساعدهم على الشعور بالدفء، وما زاد الطين بلة حينما أخبرها محرر أن الربيع أصابه الجرب (السكابيوس)، وانخفض وزنه إلى ما يقارب 60 كغم فقط، وهو أصلاً كان يعاني من فقر الدم قبل الاعتقال!
لكن في المقابل، يحرص المحررون على طمأنة قلبها، فهو المواظب على قراءة القرآن، وهو الإمام في الصلوات، ومحبوب السيرة وعطر الذكر بين كل الأسرى، ما يثلج صدرها أنه على عهده معها يوم ودعته قبيل الاعتقال.
بعد تجديد قرار الاعتقال الإداري له، عادت إلى موقعها الثابت بين أهالي الأسرى في وقفتهم الأسبوعية، تحمل صورته، وتغطيها بـ “سترة”، وصلتها من حمزة من أسير محرر، فالأسير كان يتجهز للإفراج، أسرّ له حمزة أن يتبادلا السترات، ويعطيها لوالدته، لتتفاجأ أنه طرز اسمه على السترة، لتكون رفيقة لها حتى ينتهي الغياب، كما كان عطرها رفيقًا له.
في الوقفة الأسبوعية، وقفت وهي تحمل الصورة، شعرت أن البرد اشتد هذه المرة، لكن هل البرد اشتد فعلا، أم أن قلبها شعر وأخيرًا ببرودة الطقس بعد تأخر الربيع؟ شدت السترة جيدًا لتغطي جوانب الصورة لعل صاحبها يشعر بالدفء في سجنه.




