تقارير وحوارات

الأسير القيادي عبد الجبار جرار حكاية صمود لا تنتهي

بين فقد الزوجة وتجديد الاعتقال الإداري…

قبل نحو عامين فقط، وفي اعتقالات سابقة، كان حضور زوجته في ذهنه كطيفٍ يرافقه داخل السجون. كانت تدير شؤون منزلها وتتابع تفاصيل اعتقالاته التي لا يعرف عددها سوى قلبها المثقل بألم الانتظار. وقفت خلفه كخط دفاع أول، تحفظ تواريخ اعتقالاته غيباً، فكل تاريخ مرّ في الذاكرة كان قد مرّ من قلبها قبل بيتها. تعرف أصوات الاقتحامات ورائحة الاعتقال، وتتابع إجراءاته القانونية، وتتواصل مع محاميه، وتعلم كم سجناً شهد أنفاسه. كانت جندية معركته المجهولة، وشريكة حياته وأوجاعه وآلامه.
لا بد أن ألمه كان عظيماً حين وصله خبر ارتقائها شهيدة. كان يشعر أن الفراق بات قريباً، فوقف أمام خبر إصابتها واستشهادها كجبلٍ من الصبر والصمود، وأظهر قوة أمام مجتمع الحركة الأسيرة الذي يراه رمزاً للصمود، وأمام سجّانه أيضاً. أخفى وجعه وغصة قلبه، فالألم لا يمكن وصفه لإنسانٍ حُرم من وداع شريكة حياته وتلقي تعازيها داخل الأسر.
الأسير القيادي عبد الجبار محمد جرار (60 عاماً) من مدينة جنين، يدخل عامه الثالث في الاعتقال الإداري؛ ذلك الملف الذي يثقل حياة نحو 3385 أسيراً من مجتمع الحركة الأسيرة، بما نسبته 36%، وفق إحصائيات مكتب إعلام الأسرى. اعتقال بلا سقف زمني، يتزامن مع حرب تجويع وتنكيل وقمع مستمرة داخل سجون الاحتلال، وحالة طوارئ تتذرع بها إدارة السجون لإخفاء الانتهاكات عن المنظمات الحقوقية، وممارسة سياسة القتل البطيء بحق الأسرى.
وتحدث مكتب إعلام الأسرى إلى عائلة الأسير جرار التي انقلبت حياتهم كلياً منذ عامين، بصورة لم يشهدوها من قبل. فالعائلة ليست حديثة العهد بالسجون، إذ يصل مجموع اعتقالات والدهم المتفرقة إلى أكثر من 16 عاماً، غالبيتها في الاعتقال الإداري الذي كان قبل السابع من أكتوبر لا يتجاوز غالباً سقف العامين، بينما أصبح بعد الحرب اعتقالاً مفتوح النهاية بلا مواعيد واضحة.
كانت العائلة، كما الأسير في أسره، تترقب انتهاء أمر اعتقاله الأخير بعد عامين من اعتقاله بتاريخ 7/2/2024، إلا أن سلطات الاحتلال جددت اعتقاله الإداري أربعة أشهر إضافية، لتبدأ العائلة عدّاً تنازلياً جديداً لأشهر الاعتقال.
لم تكن تلك المرة الأولى التي يقترب فيها الأسير جرار من الحرية، فقد كان على موعد معها يوم ارتقاء زوجته المناضلة وفاء جرار، التي ارتقت شهيدة بعد أيام من اعتقالها بتاريخ 21/5/2024، تاركة خلفها نصف روحها أسيراً خلف القضبان، يداوي بصبره وصحته وجعاً لا يعلم مداه أحد.
وعندما اعتقل الاحتلال الأسيرة وفاء جرار في أيار/مايو 2024، ادعى أن عبوة ناسفة انفجرت في المركبة التي كانت تقلها أثناء اعتقالها، ما أدى إلى إصابتها. تابعت العائلة أخبارها بكل ما تملك من قوة، رغم صدور قرار اعتقال إداري بحقها وهي في حالة صحية حرجة. لاحقاً علمت العائلة بدخولها في غيبوبة، وبقرار بتر ساقيها، وطُلب منهم التوقيع على ذلك. وفي 30/5/2024 أفرج الاحتلال عنها وهي في حالة صحية صعبة، في محاولة للتنصل من المسؤولية. وعند تسلمها، كانت تعاني كسوراً في القفص الصدري، وكسرًا في إحدى فقرات العمود الفقري، وبتر ساقيها، وانسداداً في الرئة اليسرى، إضافة إلى التهاب حاد في الدم.
وفي 5/8/2024 ارتقت المحررة وفاء جرار شهيدة متأثرة بإصابتها، تاركة خلفها حكاية ألمٍ لا يعرف أحد كيف بدأت وكيف انتهت، وزوجاً لم تتح له فرصة وداعها. ورغم تطمين أبنائه له باستقرار وضعها الصحي، كان يشعر بأنها سترتقي شهيدة. وتقول العائلة: “وصل إلى السجن خبر إصابة أسيرة أثناء وجود والدنا، لكنه لم يعلم أنها زوجته، وكان يدعو لها في صلاته. وعندما دخل أسير جديد إلى القسم وهنأه بسلامتها، علم أنها هي. وفي يوم استشهادها وصله الخبر، وكان يفترض أن ينال حريته في اليوم ذاته لانتهاء أمر اعتقاله الإداري، لكن الاحتلال جدد اعتقاله مجدداً”.
أمام هذا الخبر بقي الأسير جرار متماسكاً، يتلقى التعازي من الأسرى بصبر وإيمان. وكل أسير تحرر بعد ذلك نقل للعائلة أن والدهم بقي صابراً محتسباً، فهو الذي اعتاد أن يواسي الأسرى عند فقد أقاربهم، واليوم وجد نفسه مضطراً لأن يكون قوياً أمامهم، في ظل أوضاع سجون قاسية تحتاج إلى صبر وجلَد، ورفض أن يظهر أمام سجّانه أي مظهر من مظاهر الضعف.
مرت السنتان الماضيتان بثقلٍ كبير على العائلة؛ ثقل الغياب والشوق، وثقل فقد الأم التي كانت سند الأب خلال اعتقالاته. وبعد استشهادها، تولى الأبناء هذه المهمة وسط صعوبات كبيرة في تتبع أخباره القانونية والتنقل بين السجون. وتعلم العائلة اليوم أنه في سجن النقب، لكنها تشك في نقله إلى سجن آخر بعد أن أخبر أسرى محررون أنهم شاهدوه داخل “البوسطة” أثناء نقله للتحقيق لدى جهاز الشاباك، دون معرفة مصيره لاحقاً.
زار المحامي الأسير جرار قبل نحو عام، لكنه طلب من العائلة لاحقاً عدم إرسال محامين إلا للضرورة، بسبب ما يتعرض له الأسرى من تنكيل قبل الزيارات وبعدها. وتفيد العائلة بأنه فقد نحو 66 كيلوغراماً من وزنه، رغم معاناته المسبقة من أمراض القلب وارتفاع ضغط الدم، إضافة إلى مشاكل في الركبتين خفّت حدتها بعد فقدانه الوزن. كما أصيب بمرض الجرب (السكابيوس) وتعافى منه، لكن العائلة ترجح إصابته به مجدداً نتيجة الظروف الصحية السيئة داخل سجن النقب. ويعاني أيضاً بدايات مرض السكري، ويتناول أدوية منتظمة، ما يجعل الأمراض الجلدية أكثر خطورة على صحته.
وتؤكد العائلة أن سجن النقب لا يقل قسوة عن بقية السجون، حيث يعاني الأسرى نقصاً حاداً في الطعام والملابس الشتوية والأغطية، في ظل برد الصحراء القاسي ليلاً، ما يزيد من معاناة والدهم الجسدية والنفسية، خاصة بعد قرار تجديد اعتقاله الأخير.
قدّم الأسير عبد الجبار جرار أكثر من 16 عاماً من عمره خلف القضبان، دافع خلالها عن قناعاته وعن شعبه، وواجه الانتهاكات بحق الأسرى بثبات. وما زال الاعتقال الإداري يحاصر حياته وحياة عائلته، ويثقل انتظاره للخلاص من سجون التجويع والتنكيل، في ظل سياسات ممنهجة تستهدف الأسرى جسدياً ونفسياً.

زر الذهاب إلى الأعلى