تقارير وحوارات

بلا تواصلٍ وبلا علاج… جمال عمرو أسيرٌ مؤبد يقاتل السرطان منذ عام 2018

أجسادُ الأسرى الذين دخلوا السجون أقوياءَ وأصحاء، تئنّ اليوم تحت مقصلة التجويع والانتقام الممنهج من أبناء الحركة الأسيرة، شبّانًا وأطفالًا وشيوخًا ونساءً. أسرى بلا سجلٍّ مرضيّ، يعتقلون اليوم ويخرجون – إن خرجوا – بملفاتٍ طبية متكدّسة، في أعقاب حرب الإبادة داخل السجون، وحرب التجويع المستمرة، وتحت مسمّى “حالة الطوارئ” المعلنة في الأسر. فكيف بأجساد الأسرى المرضى قبل هذه النكبة التي حلّت بالسجون؟
الأسير جمال إبراهيم عبد الجواد عمرو (53 عامًا)، من سكان واد الهرية في مدينة الخليل، اعتقله الاحتلال بتاريخ 3/2/2004، وحُكم عليه لاحقًا بالسجن المؤبد مدى الحياة. كان جسده سليمًا آنذاك، حتى بدأت قصته مع الألم والمرض عام 2018، وهو واحد من 28 أسيرًا محكومًا بالمؤبد لا يزال الاحتلال يُحكم قبضته على أعمارهم. مكتب إعلام الأسرى تواصل مع عائلته لمعرفة آخر المستجدات المتعلقة بأوضاعه الصحية، وملفه الطبي بعد حرب السابع من أكتوبر.
تؤكد عائلة الأسير جمال عمرو أنه، ومنذ اندلاع حرب السابع من أكتوبر، حُرم من حق التواصل كليًا؛ فلا زيارات محامين، ولا زيارات أهالٍ. وتعاني العائلة منذ سنوات اعتقاله أصلًا من المنع الأمني الذي حال دون زيارته لفترات طويلة. اليوم، يتواجد الأسير عمرو في سجن نفحة، حيث بات وصول المحامين إلى الأسرى، أو حتى حجز زيارة قانونية، مهمة شبه مستحيلة، وإن تحققت احتاجت لأشهر طويلة. وتتابع العائلة أوضاعه فقط عبر أسرى محررين سمعوا أخباره خلال فترة اعتقالهم.
وتشير الأخبار التي تصل للعائلة، في ظل حرب التجويع القائمة داخل السجون، إلى أن الأسير جمال عمرو فقد الكثير من وزنه، حتى تغيّر مقاس ملابسه، وتدهورت حالته الصحية التي كانت سيئة أصلًا قبل الحرب. فقد أُصيب عام 2018 بمرض السرطان في الكبد والكلى، واليوم تُبلغ عائلته بأن آلامًا شديدة أصابت عظام يديه وقدميه، ولم يعد يقوى على الحركة، ويحتاج إلى مساعدة زملائه الأسرى لقضاء أبسط شؤون حياته اليومية. وإذا كان قبل الحرب لا يتلقى العلاج الكافي، فكيف حاله اليوم في ظل العزلة القسرية وحرمان الأسرى من مقومات الحياة الإنسانية كافة؟
عند اعتقاله عام 2004، فُرض على الأسير جمال عمرو منع زيارة، ورفض أمني طال عائلته، ولم يُسمح لهم برؤيته إلا بعد سبع سنوات. واليوم، وكحال آلاف عائلات الأسرى، يُسلب هذا الحق مجددًا. وقد توفي والده ووالدته خلال سنوات أسره، دون أن تُتاح له فرصة وداعهما؛ رحلت والدته حسرةً عليه، وعلى سنوات عمره المسلوبة.
وقبل اعتقاله، تعرّض الأسير جمال عمرو لمطاردة استمرت ست سنوات، كانت خلالها زوجته حصنه وسنده، والجندي المجهول في حياته. أنجبت ابنيهما أثناء مطاردته، وحين اعتُقل كانت حاملًا بابنتيهما. تتقاطع أعمار أبنائه اليوم مع سنوات اعتقاله، دون أن تُمنح لهم فرصة عيش حياة مطمئنة إلى جانبه. وكان أمل العائلة كبيرًا بإدراج اسمه ضمن صفقة “طوفان الأقصى”، لكن حتى هذا الحلم تبدّد.
تزوجت ابنتاه، ولم تتح له فرصة أن يزفّهما عروسين بيديه. اليوم أصبح له أحفاد لا يعرفونه. وكانت زوجته، طوال السنوات الماضية، تجيب على أسئلة أبنائها الصغار عن مكان وجود أبيهم، واليوم تواصل الإجابة ذاتها، لكن للأحفاد. ومن داخل سجنه، أوصى أسرى محررين بأن ينقلوا لعائلته رغبته في تزويج ابنه الأكبر؛ ففي أسره، يقتل بطء الوقت بالتفكير بأولاده، وأحلامهم، وحياتهم، ومستقبلهم، محاولًا مرافقتهم في تفاصيل حياتهم ولو من بعيد.
الأسير جمال عمرو ليس رقمًا ولا حالةً عابرة، بل أبٌ وزوج سرق الاحتلال سنواتٍ طويلة من عمره، وسلبه صحته وعافيته، وحقه في متابعة شؤون بيته. وحرمت زوجته حياةً هادئة منذ أن ارتبطت به، إذ قضت سنوات من عمرها وهو مطارد، ثم أسير. واليوم، تتابع العائلة بقلق بالغ مصيره داخل السجون، وأوضاعه الصحية، وسؤالًا مفتوحًا: متى تُلغى “حالة الطوارئ” المعلنة منذ اندلاع حرب السابع من أكتوبر؟

زر الذهاب إلى الأعلى