تقارير وحوارات

ربح البيع.. أشرف أبو وردة تاجر ارتقى أسيرًا

قلة قليلة من التجار.. لا يشوب قلبها شائبة وهي ترى المال يجري بين يديها كجريان الأنهار، فيصبحون من علية القوم الأثرياء! فالمعتاد أن يصبح التاجر الغني طاغية قاسي القلب، يرفل في ثوب النعيم ويعتقد أن ما سيق له من كل هذه الخيرات إنما هو “شطارة” منه فقط، ويحجب حق الآخرين في ماله من صدقة وزكاة!

لذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء”، الأمين في تجارته، والذي لا ينسيه الغنى والثراء أصله، ويبقى قلبه متصلاً مع الله، ليصدقه القول والعمل فيكون ممن قيل فيهم، “ربح البيع”.

ويقينًا أن لكل إنسان نصيب من اسمه، وهكذا كان بطل قصتنا، له من اسمه كل النصيب، فهو أشرف أبو وردة، أشرف من الشرف وهو التاجر الأمين الصدوق، لا يبخل على من حوله بما تفضل الله عليه من ثراء، وكنية عائلته أبو وردة، فكان طيب الذكر وعاطره أينما حل به المقام.

أشرف ابن غزة، التاجر خماسيني العمر الذي خاطر بكل ماله وسافر إلى الصين، معتمدًا على الله أولا، ليرزقه من عظيم فضله ويبني ثروته الكبيرة، ويصبح له صيت واسع في عالم التجارة، لكنه كان على موعد مع ابتلاء من نوع آخر!

ابتلاء أشرف كان باعتقاله في بدايات حرب الإبادة على قطاع غزة في نوفمبر 2023، وانقطعت أخباره عن عائلته، وانتقل من حياة الاستقرار والأمن والأمان، إلى جحيم السجون والجوع والفقد والتعذيب والإهمال الطبي، فكان هنا اختبار الله له أيثبت؟

صدق أشرف مع الله، واتخذ من سجنه خلوة وعبادة يتقرب بها إلى الله، يتسامر مع رفاقه في الأسر، ويخبرهم صولاته وجولاته في عالم التجارة، ويبث فيهم المعنويات العالية، ويخبرهم أن القادم أجمل، زارعًا في القلوب طمأنينة تثلجها تصديًا لمصاعب الأسر، ويذكر الأسرى أن وراء الجدران عائلات كاملة تنتظر حريتهم.

ثم يختلي أشرف بنفسه يردد ما حفظه من القرآن الكريم، ووسيلة حفظه لم تكن بتصفح المصحف والحفظ منه، فالمصاحف في الأسر يصادرها الاحتلال إمعانًا في التعذيب، لذا لجأ أشرف إلى من يحفظون القرآن من الأسرى، ليحفظه بالتلقين وينير بصيرته في ظلمات السجن.

لم يتوقف ابتلاء الله لأشرف عند حد السجن فقط، فأشرف الذي اعتقلته قوات الاحتلال كان يتمتع بصحة جسدية جيدة، ولم يكن يعاني من أية مشاكل صحية، غير أن بيئة السجن المفعمة بكل أنواع الإهمال الطبي، تجرأت على بنيته القوية، وبدأ داء الجرب “السكابيوس” بالتسلل رويدًا رويدًا إليه.

صمت أشرف، واعتزل رفاقه، كان لديه واسع المعرفة أن هذا الداء ينتقل بالعدوى، فآثر العزلة والبعد عن رفاقه، وبدأت معركته الصامتة تمامًا مع السكابيوس، لا يشكو، ولا يطلب علاجًا ولا يتأوه، وإن ظهر الوهن جليًا على ملامحه وأثقل المرض أنفاسه، ووهنت القوة.

رفاقه في الأسر، افتقدوا أشرف البشوش الضحوك، أشرف موزع البهجة، وزارع الطمأنينة في قلوبهم، دقوا الباب واستدعوا السجان، وقالوا: “أشرف بحاجة إلى علاج، تحركوا”، مع الأسف قابلهم السجان ببرود بكل ما تحمله المعنى من كلمة، بقوله: “عندما ينزف أحضروه”، أو يرد تارة أخرى بقوله: “ليشرب الماء”.

لم يتذمر أشرف، وبقي صامتًا يحارب السكابيوس دون علاج، غير أنه في إحدى الصباحات المثقلة بالخوف والرعب، استيقظ بوجه متورم، وملامحه لا تمت إلى ملامحه الأصلية بأية صلة، أقنع نفسه أنه أمر عابر وسيمر، ثم نهض مترنحًا، لم يحتمل جسده، فعاد إلى فراشه، ليحصل على الراحة، وأغمض عينيه، و… رحل!

هكذا اعتقد رفاقه بالأسر أنه مات بعد أن أغمض عينيه وفارق الحياة، غير أن للحكاية بقية قاسية أكثر، وموجعة جدًا، فالأسرى تحركوا مذعورين وهم ينادون السجان، هرعوا مسرعين: “أشرف لا يتحرك، تحركوووووا”.

استخفّ السجانون بذعر الأسرى، وتأخروا جدًا في إحضار الإسعاف ونقله، غير أنهم أخيرًا نقلوه من سجن النقب في الربع الأخير من ديسمبر 2024 إلى مشفى سوروكا، هل قدمت له المشفى العلاج؟ أم إنه تم نقله فقط لأن إدارة السجن شعرت بالملل من تكرار المطالبة من رفاقه بحتمية تقديم الدواء له؟ كيف مرت هذه الـ48 ساعة عليه من لحظة نقله إلى المشفى حتى إعلان ارتقائه؟ أم أنه ارتقى فور وصوله، وتأخر الاحتلال بالإعلان إمعانًا في التعذيب النفسي؟ أسئلة لا يملك إجابتها إلا السجانون!!!!!!!

قبل أن يغادرنا عام 2024، ارتحلت روح أشرف إلى بارئها بعد حياة عامرة بالعطاء، سواء عندما كان تاجرًا حرًا يعطي من حر ماله، أو وهو يرزح تحت قيد الاحتلال، ويجود بمعنوياته العالية، رحل أشرف ليكون هو الرقم 50 ضمن عداد أرقام شهداء الحركة الأسيرة عقب بدء حرب الإبادة على قطاع غزة.

وتحررت روح التاجر الصدوق الأمين ليكون شهيدًا وليس فقط مصاحبًا للنبيين والصديقين والشهداء.

لقراءة القصة في سلسلة “الأسرى كومكس”:

الحلقة الأولى: أشرف .. الأسير الذي ملأ السجن نورا
الحلقة الثانية: 
أشرف.. “تركوه يموت”!

لعرض الفيديو الخاص بالقصة: أشرف.. الذي ملأ الزنازين نورًا

زر الذهاب إلى الأعلى