حكيم وأمجد عواد : قريبان تحت حكم المؤبد و14 عامًا من الغياب

واحد وعشرون اسمًا لأسيرٍ محكومٍ بالمؤبد من مدينة نابلس، يغيبون عن الوجود، غيابًا حرفيًا كاملًا. فالأسرى يعيشون في عزلٍ جماعي، لا يعرفون ما الذي يجري خارج أسوار السجون والمعتقلات.
هناك، تسير الأيام بلا أحداث، يكتفي الأسرى بالدعاء والانتظار، علّ شيئًا ما يحدث، ينهي حالة الطوارئ المفروضة منذ حرب السابع من أكتوبر، ويضع حدًا لمخاوف أهالي الأسرى من تنفيذ قرارات إعدامٍ غير معلنة، تهدّد حياة أصحاب الأحكام المؤبدة.
في المقابل، يواجه الأسرى حربًا لا يعلم أحد مدى ثقلها على أرواحهم وأجسادهم. لا تُروى تفاصيلها إلا عند تحرّر أي أسير، في مشهد ملابسه الصيفية التي لم تقِه برد الزنازين القاتل، وجسده الذي أنهكته المجاعة، وعلامات مرض “السكابيوس” التي تغزو جسده نتيجة انعدام أبسط حقوق النظافة، وذاكرةٍ تتلاشى وتعود مع كل محاولة للاندماج في الحياة من جديد.
من بلدة عورتا، جنوب شرق مدينة نابلس، خرجت حكاية أسيرين من عائلة واحدة، جمعهما حبٌ واحد لأرضٍ مسلوبة. كانا في مقتبل العمر؛ أحدهما لم يتجاوز السابعة عشرة، والآخر في التاسعة عشرة، على أعتاب امتحانات الثانوية العامة، فيما كان الطريق الجامعي مفتوحًا أمامهما. ورغم كل الإمكانيات والحياة التي كانت تنتظرهما، اختارا طريقًا كانا يعلمان أن نهايته إما الشهادة أو الاعتقال.
في تاريخ 11/3/2011، خرج الشابان حكيم مازن عواد (31 عامًا) وأمجد محمد عواد (33 عامًا)، من سكان قرية عورتا، بدافعٍ شخصي وحبٍ خالص لمقاومة الاحتلال. توجّها نحو مستوطنة “إيتمار” القريبة من قريتهما، وتمكّنا من اجتياز المكان في نقطةٍ فارقة، وتنفيذ عملية أسفرت عن مقتل خمسة مستوطنين، قبل أن يعودا إلى قريتهما بهدوءٍ تام.
لم يتعرّف الاحتلال على المنفذين لمدة شهرٍ كامل، رغم حملات الاعتقال المكثفة التي شهدتها بلدة عورتا، والتحقيقات الواسعة التي طالت العشرات. بقيت الأعين بعيدة عنهما، حتى تمكّن الاحتلال من اعتقالهما كلٌ على حدة؛ ففي 5/4/2011 اعتُقل حكيم عواد، وبعد أيام قليلة، بتاريخ 10/4/2011، اعتُقل أمجد عواد، لتبدأ فصول جديدة من حياة الاعتقال المستمرة حتى اليوم.
بعد أشهر من التحقيق، أصدرت المحاكم العسكرية بحق الأسيرين حكمًا بالسجن المؤبد خمس مرات، بعد اتهامهما بتنفيذ عملية “إيتمار”. ومنذ ذلك الحين، يقضيان حكمهما القاسي، دون أن يشملهما الإفراج ضمن صفقة “طوفان الأحرار”، رغم تأكيد العائلة أن اسميهما كانا مدرجين ضمن القوائم، قبل أن يتم استبدالهما في اللحظات الأخيرة بقرارٍ من الاحتلال.
وأفاد مكتب إعلام الأسرى، نقلًا عن عائلة الأسير حكيم عواد، أنه يتواجد حاليًا في سجن نفحة، ويعاني، كغيره من الأسرى، من الهزال والتجويع والضرب والتنكيل، خاصة بعد السابع من أكتوبر. وتشير العائلة إلى أن حكيم وأمجد فقدا ما بين 40 إلى 45 كيلوغرامًا من وزنيهما.
وأكدت العائلة، عقب زيارة محامٍ للأسير، أنه يعاني من تجويعٍ مستمر، رغم أنه كان شابًا رياضيًا يتمتع ببنية جسدية قوية، ولا تعرف العائلة كيف أصبح شكله اليوم.
الأسيران حكيم وأمجد عواد ليسا مجرد اسمين في قائمة المؤبدات. فقد توقفت مسيرتهما التعليمية بعد الاعتقال؛ حكيم كان طالبًا في مرحلة الثانوية العامة، فيما كان أمجد طالبًا جامعيًا. ورغم قسوة الأسر، تمكّن أمجد من إنهاء مرحلتي البكالوريوس والماجستير داخل السجون، وأصدر كتابًا بعنوان “دراسات من الأسر” من داخل معتقله.
اليوم، تعيش عائلة عواد، كغيرها من عائلات الأسرى، حالة قلقٍ دائم على مصير أبنائها. الأخبار منقطعة، وزيارات الأهالي ممنوعة، وحتى زيارة المحامي تحتاج وقتًا طويلًا وإجراءاتٍ معقّدة، خاصة في سجن نفحة. وبات الأسرى المحررون أحد أهم مصادر المعرفة التي تعتمد عليها العائلات لمعرفة ما يجري خلف القضبان.




