من قاعة الجامعة إلى زنزانة الدامون: حكاية تسنيم عودة

لم يكن يوم الاثنين 12 كانون الثاني/يناير 2026 يوماً عادياً في قاعات محاكم الاحتلال، إذ أُسدلت الستارة على فصل جديد من فصول الظلم بحق الطالبة المقدسية تسنيم عودة (22 عاماً)، بصدور حكم جائر يقضي بسجنها عاماً ونصف العام، فقط لأنها كتبت عن والدها الشهيد، ورثته.
تسنيم، طالبة القانون التي كانت تستعد للتخرج والدخول إلى قاعات المحاكم كمحامية تدافع عن المظلومين، وجدت نفسها فجأة في الجهة الأخرى من القفص، تُحاكم أمام منظومة لا تعترف بالكلمة، لتصبح اليوم الأسيرة المقدسية الوحيدة في سجن “الدامون”، بعد تحرير تسع أسيرات ضمن صفقة التبادل الأخيرة.
وُلدت تسنيم عام 2003، ونشأت في أزقة القدس وهي تحمل إرث مدينة لا تعرف الاستسلام، التحقت بكلية الحقوق في جامعة “أبو ديس”، وكانت في سنتها الدراسية الأخيرة، تنتظر عام 2025 لتتخرج وتحقق حلمها وحلم والدها الشهيد بأن تصبح محامية.
لكن هذا المسار انتهى فجأة، أثناء عملها البسيط في نقل الطلاب بسيارتها الخاصة في بلدة عناتا لتأمين مصاريف دراستها وعائلتها، حيث اعترضتها قوة من “المستعربين”، اقتحمت سيارتها أمام إحدى المدارس، صادرت هاتفها وجهاز “الآيباد” وملفاتها الجامعية، واقتادتها دون توضيح الأسباب.
منذ تلك اللحظة، انتقلت تسنيم من طالبة تحلم بالعدالة… إلى أسيرة تُحاكم باسم “القانون”.
قصة تسنيم لا يمكن فصلها عن قصة والدها الشهيد بركات عودة، الذي ارتقى برصاص الاحتلال في أكتوبر 2022 بعد تنفيذه عملية دهس قرب أريحا، ولا يزال جثمانه محتجزاً في مقابر الأرقام.
المفارقة المؤلمة أن الابنة تعيش أسر الجسد، بينما الأب يعيش أسر الجثمان. هكذا تجتمع على العائلة عقوبتان: حرمان من الوداع، وحرمان من الحرية.
وجهت سلطات الاحتلال لتسنيم تهمة “التحريض” عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وخلال التحقيق، تبيّن أن الملف يستند إلى منشورات قديمة تعود لعام 2022، كانت قد نشرتها بعد استشهاد والدها، تضمنت صوراً وكلمات رثاء. هكذا، تحوّلت مشاعر ابنة تجاه أبيها إلى “ملف أمني”، وتحول الحزن إلى “جريمة”.
لم يكن اعتقال تسنيم مجرد إجراء “أمني”، بل رحلة قاسية من التنكيل والانتهاكات الممنهجة، بحسب إفادات محاميتها وتقارير حقوقية، هدفت إلى كسرها نفسيًا وانتزاع اعترافات منها تحت الضغط.
خضعت تسنيم لتحقيق قاسٍ في مركز “المسكوبية” استمر 14 يومًا متواصلًا، بمعدل 6 إلى 7 ساعات يوميًا، تخللته شتائم وإهانات وضغوط نفسية شديدة، وخلال نقلها إلى إحدى الجلسات، تعرّضت لاعتداء جسدي مباشر، حيث أقدم أحد السجانين على ضربها على الرأس والوجه.
ولم تتوقف المعاناة عند هذا الحد؛ إذ احتُجزت لأكثر من ساعتين داخل “البوسطة” – عربة النقل المغلقة بالكامل – دون تهوية، ما أدى إلى إصابتها بحالة اختناق حادة، كما خضعت لتفتيش عارٍ ومهين، وحُرمت من التدفئة والأغطية داخل سجن “الشارون”، قبل أن يتم نقلها لاحقًا إلى سجن “الدامون”.
وتُشكّل هذه الإجراءات عقوبات انتقامية ممنهجة تهدف إلى كسر إرادتها وتحطيمها نفسيًا.
في 12 كانون الثاني/يناير 2026، أصدرت محكمة الاحتلال حكمها النهائي بحق تسنيم بالسجن عامًا ونصف العام (18 شهرًا)، في قضية تُلخّص كيف يمكن للكلمة، في القدس المحتلة، أن تتحوّل إلى “جريمة”.
ولم يتوقف الاستهداف عند تسنيم وحدها، إذ أقدمت قوات الاحتلال اليوم على اعتقال شقيقها الطفل إياد عودة، في خطوة تُجسّد سياسة العقاب الجماعي بحق العائلة، وتؤكد أن الملاحقة لا تطال الكلمة فحسب، بل تمتد لتشمل الأطفال أيضًا، في محاولة لمراكمة الضغط وكسر العائلة نفسيًا ومعنويًا.
تسنيم، ابنة الشهيد وطالبة القانون التي حُرمت من تخرّجها، لم تُحاكَم على فعلٍ إجرامي، إنما على كلمة وذاكرة. واليوم، مع اعتقال شقيقها الطفل، تتحول قصتها من حكاية أسيرة إلى حكاية عائلة بأكملها تحت العقاب، لتبقى هذه القضية صرخة مفتوحة في وجه الظلم، ورسالة بأن الحرية قد تُقيَّد بالسلاسل، لكنها لا تُهزَم… حتى من خلف القضبان




