حين يصبح السجود جريمة.. رمضان في ذاكرة أسير محرر

في شهادة مؤلمة تكشف جانبًا من المعاناة الإنسانية داخل السجون، يروي الأسير المحرر الصحفي محمد قاعود تفاصيل شهر رمضان كما عاشه خلف القضبان، بين شوقٍ جارفٍ للحرية، وأجواءٍ إيمانية تُصنع سرًا، وسياسات قمعٍ وتجويعٍ ممنهجة، بلغت ذروتها في سجن “سديه تيمان” الذي وصفه بأنه “مسلخ تعذيب” لا سجنًا تقليديًا.
انتظار رمضان… شوق يختلط بالألم
يقول قاعود إن نفحات رمضان تبدأ مبكرًا داخل الأسر، منذ دخول شهر شعبان، حيث تتضاعف المشاعر الإيمانية ويبدأ الأسرى في استحضار ذكرياتهم قبل الاعتقال.
كان الحديث يدور بين الأسرى عن تفاصيل حياتهم قبل الأسر:
كيف كانوا يستعدون للشهر الفضيل؟
كيف كانوا يجتمعون مع عائلاتهم؟
وكيف كانوا يجهزون بيوتهم لاستقباله؟
ورغم أن الحديث عن تلك الذكريات سهل، إلا أن الشعور بها داخل الزنازين – كما يصف – ليس سهلًا أبدًا. فكل أسير يعيش حالة عزلة داخلية، يسترجع لحظات الحرية ويتخيل نفسه بين أسرته، بينما الواقع يحاصره بقيوده.
أجواء روحانية تُصنع في الخفاء
في الأسبوع الأخير من شعبان، تبدأ أجواء روحانية خاصة داخل غرف السجن. يصف قاعود هذه اللحظات بأنها “من تسالي الله للأسرى”، إذ يشعرون بانجذاب أكبر نحو العبادة.
كان الأسرى يحرصون على ختم القرآن يوميًا، إلى جانب عقد دروس دعوية وتوعوية حول شهر رمضان. لكن هذه الحلقات كانت تُعقد خفيةً، خوفًا من أعين السجانين، إذ يُمنع أي نشاط تعبدي جماعي، ويُعرض المشاركون للعقوبة إن اكتُشف أمرهم.
صيام تحت التجويع المتعمد
يؤكد قاعود أن الصيام داخل السجن مهمة شاقة، ليس فقط بسبب ظروف الاعتقال، بل نتيجة سياسات تجويع متعمدة.
ويروي أن السجانين كانوا يتعمدون اقتحام الغرف قبيل لحظات الإفطار، وسحب الطعام وقذفه في ممرات السجن والدوس عليه. وفي كثير من الأحيان، كان الأسرى يصومون أيامًا متتالية بلا طعام، مكتفين بالماء فقط.
هذه الممارسات – بحسب شهادته – لم تكن حوادث فردية، بل سياسة ممنهجة لكسر إرادة الأسرى في أكثر الأوقات روحانية لديهم.
“سديه تيمان”… حيث لا وقت ولا قانون
يتحدث قاعود عن قضائه شهر رمضان في سجن “سديه تيمان”، واصفًا إياه بأنه “مسلخ تعذيب” لا يشبه أي سجن تقليدي.
في هذا المكان – كما يروي – لا يعرف الأسير الوقت، ولا يميز بين الليل والنهار، ولا يعرف من بجواره.
الأسير مطالب بالجلوس على ركبتيه طوال الوقت، معصوب العينين، مقيد اليدين، ومجرد طلب معرفة الوقت يُعد “جريمة”. ويؤكد أن القاعدة السائدة هناك هي: “عذّب بأي طريقة تريدها.” وكانت عمليات القمع شبه يومية، خاصة خلال شهر رمضان.
سحور بعد الفجر… وحرمان من معرفة المواقيت
من أصعب ما مر به الأسرى – وفق قاعود – هو عدم معرفة أوقات الإمساك والإفطار.
يروي أنهم كانوا يطلبون إدخال طعام السحور قرابة الساعة الثالثة والنصف فجرًا، فيأتي السجان بالطعام ويقول: “تسحروا بسرعة”، ليكتشفوا لاحقًا أن وقت السحور قد انقضى وأن الفجر قد أذن بالفعل.
بهذه الطريقة، كان يُحرم الأسرى من حقهم في معرفة مواقيت عباداتهم، ويُوقعون في حرج ديني متعمد.
العبادة تحت الكاميرات… “الصلاة برموش العيون”
بعد السابع من أكتوبر، يصف قاعود أن ظروف الاعتقال ازدادت قسوة، خاصة فيما يتعلق بالعبادات.
مُنعت الصلاة الجماعية، ودروس الدين، وصلاة الجمعة، وحتى الوضوء، وغرف الأسرى في “سديه تيمان” تخضع لمراقبة بالكاميرات، حيث تُعتبر أي حركة للرأس – يمينًا أو يسارًا أو أعلى أو أسفل – سببًا للعقوبة، ويقول: “كانت صلاة الأسرى في هذا السجن من خلال رموش العيون فقط.”
قصة من العشر الأواخر
يروي قاعود أن أحد الأسرى في العشر الأواخر من رمضان، تأثر بأجواء العبادة والروحانية، فسجد لثوانٍ معدودة. رصد السجان ذلك عبر الكاميرات، فاستدعاه وأجبره على الوقوف لساعات رافعًا يديه للأعلى.
بعد وقت قصير، اقتحمت قوات القمع الغرفة ونفذت عملية قمع عنيفة، تعرض خلالها الأسير للضرب المبرح، وتم تجريده من ملابسه وإجباره على السجود في تلك الحالة، في مشهد يعكس حجم الإذلال الذي يتعرض له الأسرى.
رمضان بين الروح والقيد
تكشف شهادة الأسير المحرر الصحفي محمد قاعود عن صورة مركبة لرمضان داخل الأسر:
روحانية عميقة تتحدى القيود، وإرادة عبادة تُولد من رحم المعاناة، في مقابل سياسات قمع وتجويع ومراقبة مشددة.
ورغم القيد، يصر الأسرى – كما يظهر في شهادته – على أن يبقى رمضان شهرًا للثبات والعبادة، حتى وإن كانت الصلاة برموش العيون، وحتى وإن كان الإفطار على الماء فقط.
إنها شهادة توثق جانبًا من تجربة إنسانية قاسية، يبقى فيها الإيمان مساحة الحرية الأخيرة خلف القضبان.




