تقارير وحوارات

سليمان كميل… حين تعرّفت الأم إلى ابنها من بين الهراوات

تركَت حربُ الجوع القاتلة في سجون الاحتلال جسدَ الأسير سليمان كميل هزيلاً منهكًا، حتى تغيّرت ملامحه إلى حدٍّ لم يكن ليتعرّف عليه أحدٌ من مقطع فيديو عابر.
لكن أمّه عرفته فورًا.
تأمّلته طويلًا وقالت:
“شعرتُ به… إنه قلبُ الأم.”
بتاريخ 13/2/2026، قبيل شهر رمضان، اقتحم وزير الأمن القومي في حكومة الاحتلال إيتمار بن غفير سجن عوفر، برفقة مدير مصلحة السجون الإسرائيلية.
وخلال الاقتحام، تعرّض الأسرى لاعتداءات وقمعٍ عنيف، في استعراضٍ للقوة وإرضاءً لنزعةٍ شخصية.
شمل الاقتحام ضرب الأسرى واقتيادهم بطريقة وحشية لا إنسانية، وإطلاق قنابل الغاز والصوت داخل الزنازين، وتوجيه الأسلحة نحو أجساد أنهكها الجوع، كما أُطلقت الكلاب البوليسية باتجاههم.
من بين الأسرى الذين تعرّضوا للقمع، قصص كثيرة لم تُروَ بعد، وآلام أمهاتٍ دوّت في البيوت وجعًا على ضرب أبنائهن.
غير أن قصة سليمان كانت الأكثر وضوحًا في المشهد، بسبب وضعه الصحي الحرج الذي لا يحتمل الضرب أو الإهانة.
الأسير سليمان محمود كميل (18 عامًا)، من بلدة قباطية قضاء جنين، سُحب من زنزانته رقم 21 في القسم 23 داخل سجن عوفر أثناء أحداث القمع.
جسده بدا مجهول الملامح في الفيديوهات التي نشرها الإعلام العبري، لكن والدته تعرّفت إليه رغم كل شيء.
قبل اعتقاله، كان سليمان يعاني من عدة أمراض. ففي عام 2024 تعرّض للدهس من جيبٍ عسكري للاحتلال، ما تسبب بتمزّق في أوتار الجهة اليسرى من جسده، وتهتك في الأعصاب، إضافة إلى آلام مزمنة في الظهر وكسور في الفقرتين الثانية والثالثة من العمود الفقري.
عند اعتقاله من منزله بتاريخ 2/7/2025، لم يُراعِ الاحتلال وضعه الصحي، ولم يسمح له بأخذ أدويته التي يحتاجها يوميًا، كما اقتيد بطريقة لا تتناسب مع حالته، وصودِر منه مشدّ الظهر الذي كان ضروريًا له.
منذ السابع من أكتوبر تغيّرت آلية الاعتقال بشكل ملحوظ؛ إذ باتت الاقتحامات أكثر عنفًا وهمجية، لا تسلم منها الممتلكات ولا النساء ولا الأطفال.
تُطلق القنابل الصوتية والغاز داخل المنازل دون مراعاة للخصوصية، ولا يُسمح للمرضى بأخذ أدويتهم معهم.
أصبح الدواء في السجون رفاهية، كما أصبحت الحياة الآدمية نفسها.
بعد اعتقاله، تدهورت حالة سليمان الصحية أكثر.
يعاني اليوم من آلام شديدة في الظهر وأسفله، وتورّم في القدمين، وتكلسات على الكلى، وآلام حادة في الرأس نتيجة سوء التغذية والجوع، إضافة إلى آلام في الخاصرتين، وفقدان كبير في الوزن وهزال شديد.
وخلال اقتحام عوفر الأخير، تعرّض للضرب وأُدخلت الكلاب البوليسية أثناء الاعتداء عليه.
يعيش سليمان في ظروف تفتقر لأدنى مقومات الحياة الإنسانية؛ في غرفته عشرة أسرى آخرين، يفترش معظمهم الأرض، وتُصادر فراشهم خلال النهار.
الألم الذي أصاب والدته وعائلته لا يمكن وصفه.
أن ترى ابنك لأول مرة بعد اعتقاله عبر فيديو قمع، والجندي يجبره على الانحناء، وأن تتعرّف عليه من جسده المنهك عبر شاشة…
ذلك وجع لا تستحقه عائلة كميل.
وتعيش العائلة ألمًا مضاعفًا، إذ يُعتقل ابنها الآخر، معتصم محمود كميل، إداريًا منذ 30/7/2025.
وكان قد اعتُقل سابقًا عام 2019 لمدة عام ونصف، ثم عام 2022 لمدة عام آخر، ولا يزال انتظار العائلة مستمرًا.
بين محاكمة تنتظر سليمان، وملف طبيّ يحتاج إلى إنقاذ عاجل، واعتقال إداري يطارد معتصم،
تقف عائلة كميل بين وجعين…
وجع المرض، ووجع الغياب.

زر الذهاب إلى الأعلى