رسالةُ إعذار

إلى كلِ من يهمُهُ أمرُ فلسطين، إلى أحرارِها ومقاوميها، نزجي التحيةَ المخضَّبةَ بدمائِنا، الممهورةِ بأعمارِنا، المعبَّقةَ بمآثرِ صولاتِنا وجولاتِنا، وهي أصدقُ وأوثقُ تحيةٍ مرسلة، قبل أن تغدوَ الستائرُ مسدلة، على ساحاتِ سجونِنا تستعدُ لخوضِ معركةٍ فاصلة، إما شهادةٌ وإما حرية.
فقد بلغت إجراءاتُ السجَّانِ حداً لا يُحتملُهُ الوصفُ من تضييقٍ وحرمانٍ وإنكارٍ واستخفاف، كما هي حالةُ الاحتلال ضد قدسِنا وشعبِنا خارجَ السجون، ولأننا لم نتأخرْ أو نتلكأْ يوماً عن صدِّه وردّه يومَ كنا أحراراً، فلا والله لا نتردّدُ طَرفةَ عينٍ اليومَ عن ذلك، رغم أننا قد بلغَ بنا الجَهْدُ ما الله به أعلم ، من تحمُّلِ ما تحتملُه الجبالُ من اعتداءاتِ السجان لأعوامٍ جاوزتِ العشرينَ والثلاثينَ والأربعين، في فصلٍ استثنائيٍ من فصولِ تاريخِ البشر، ورضينا الثمن… وكتمنا الألم… وربطنا الجرح… وتجاوزنا العتب… حيث إننا اخترنا هذا الدربَ عن كاملِ إرادة، وودعنا أطفالنا الذين غدوا آباءً وأمهات، وتركنا ركامَ بيوتنا التي هدمَها الاحتلال، وصبرنا واحتسبنا في غيابِ النصير والظهيرِ ردحاً ليس قصيراً من الزمن، فلن نرتدَّ اليومَ عن بيعتِنا وقد مضت أعمارُنا في مراغمةٍ لا يعلم مداها إلا الله.
يا من تبلغُه رسالتنا: إن كانَ يقرؤُها بياناً… فهي كذلك… أو وصيةً فهي كذلك… أو استنصاراً… فهي كذلك، وهي اعتذارُنا لأبنائِنا عن الغياب، ولوالدينا عن الفراقِ، ودمعةُ شوق، وأسًى على قبرِ كلِّ راحلٍ من أحبتنا، وهي مواساتُنا لكلِ أسيرٍ مريض، وأسيرةٍ مقموعة، وجثمانٍ طاهرٍ مأسور، هذه الرسالةُ مفاصلةٌ ما بيننا وبين الاحتلال أنْ لا مهادنةَ ولا استكانة، ولا يمنِّينَّ نفسَه بضعفَنا وانثنائِنا، نَتِناً كان قائدُه أو حقيراً، وأخيراً: هذه شهادتُنا أمامَ الله… وشعبِنا… وقدسِنا… أننا بلَّغنا وأدَّينا وثَبَتْنا وواجهنا… اللهمَّ فاشهد…
لَمْ تَعْدَمِ الأَبْطالُ بعدُ إِغارَةٍ
فيها خيولُ اللّٰه صُبحاً تَجْمحُ
NULL




