مجدي صلاح.. عامان ونصف من الاعتقال أنهكت جسده وخطفت 78 كغم من وزنه

لا تغادر لحظات الاعتقال الأولى ذاكرة عائلات الأسرى، مهما مضت السنوات. يبقى الألم طازجًا، وكأن الاقتحام حدث في الليلة الماضية. تفاصيل اقتحام المنزل وتدميره، وما رافقه من أذى جسدي ونفسي، لا تتلاشى مع مرور الأيام، بل تتضاعف قسوتها يومًا بعد آخر.
وبعد الاعتقال تبدأ معاناة أشد قسوة؛ رحلة طويلة من متابعة الأسير قانونيًا وفق الإجراءات التي يفرضها الاحتلال، ومحاولات مضنية لمعرفة ما يجري له داخل السجن في ظل انقطاع الزيارات وندرة الأخبار. ومنذ حرب الإبادة على قطاع غزة، أصبح الأسرى المحررون الوسيلة الوحيدة لنقل ما يحدث داخل السجون، رغم أن كثيرًا من شهاداتهم تبقى مقتضبة بسبب تهديدات الاحتلال بإعادة اعتقالهم بعد الإفراج عنهم، وهم يدركون أن العودة إلى الأسر تعني العودة إلى حياة من الجحيم.
هذه التفاصيل تعرفها عائلة الأسير مجدي إسماعيل صلاح (27 عامًا) من بيت لحم جيدًا، فهي واحدة من مئات العائلات التي تتجرع مرارة الانتظار بلا نهاية. ابنها معتقل منذ أكثر من عامين ونصف، فيما بات الأمل زائرًا نادرًا يرفض أن يطرق بابهم.
لم يكن اعتقال مجدي صلاح حدثًا عابرًا في حياة عائلته، فقد اقتحمت قوات الاحتلال منزلهم، وعاثت فيه خرابًا، كما فعلت في مئات المنازل الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة. تروي عائلته: “دمروا المنزل، وكسروا حتى بلاطه، ولم يتركوا فيه شيئًا على حاله.”
وكان مجدي قد أسس منزله حديثًا، ولم يكن قد مضى على زواجه سوى خمسة أشهر. كان يحلم بحياة هادئة ومستقرة، لكن في 21/3/2024 تبدلت حياته بالكامل، بعدما اعتقلته قوات الاحتلال، ليجد نفسه رهين محاكم مؤجلة لا تنتهي.
ومر أكثر من عامين ونصف على اعتقاله، دون أن يصدر بحقه حكم نهائي حتى الآن، فيما تترقب عائلته جلسة محاكمته المقبلة، على أمل أن تنتهي سنوات المماطلة وما يرافقها من معاناة.
وقلب الاعتقال حياة مجدي صلاح الصحية والنفسية رأسًا على عقب. فعند اعتقاله كان يزن 128 كغم، أما اليوم فلا يتجاوز وزنه 50 كغم، بعدما خسر نحو 78 كغم داخل الأسر.
ويتعرض الأسرى في سجن عوفر لاقتحامات وقمع متكرر، وكان مجدي من بين ضحاياها؛ إذ تعرض للضرب والتنكيل مرات عديدة، وكسرت قدمه اليمنى خلال إحدى عمليات القمع. كما تعرض لاعتداء وحشي بعدما أمّ الأسرى في الصلاة جماعة.
ويعاني مجدي منذ ولادته من إعاقة في قدمه اليمنى، إضافة إلى إصابته بالربو والتهابات الجيوب الأنفية، إلا أن إدارة السجون تتعمد استهدافه في مواضع إصابته، وتكرر الاعتداء على قدمه المصابة، في انتهاك يزيد من معاناته الصحية.
وتدرك عائلته أن حالته الصحية بلغت مرحلة خطيرة. وكانت تنتظر رؤيته خلال جلسة محاكمته الأخيرة، إلا أن الاحتلال أوهمهم بإحضاره، لكنه لم يكن حاضرًا. وتقول العائلة: “ما يمارس بحقنا هو حرب نفسية.”
وخلال فترة اعتقاله، أُصيب مجدي بمرض السكابيوس أربع مرات. وفي كل مرة يتعافى من المرض، يعود ليصاب به مجددًا، في ظل غياب العلاج والرعاية الصحية، لتتحول أيامه إلى انتظار طويل داخل ظروف احتجاز قاسية.
وسبق أن اعتُقل مجدي عام 2015، وأمضى حينها عامًا في الأسر قبل الإفراج عنه بكفالة مالية، إلا أن اعتقاله الحالي يختلف كليًا عما عاشه آنذاك. فظروف السجون تغيرت بصورة غير مسبوقة، كما تعرض منزل عائلته لاقتحام جديد بعد اعتقاله.
وما تزال الليالي ثقيلة على قلب والدته، فيما تقف زوجته كل يوم عند نافذة المنزل، تحدق في الطريق علّ مجدي يعود. سنوات الانتظار لم تُطفئ الأمل، لكنها جعلت كل يوم يمر أشد قسوة من سابقه، في انتظار أن تنتهي رحلة اعتقال سرقت من عمره وصحته، ومن عائلته أبسط معاني الحياة.




