عملية جراحية بملعقة

“كيف تُجري عمليةً جراحية بملعقة؟”
سؤالٌ يكشف حكاية أسرى حُرموا العلاج، فحوّلوا أبسط الأشياء إلى وسيلة لإنقاذ رفيقهم.

كان يُفترض أن يعيش رفعت سنوات شبابه بين مقاعد الدراسة وكتبها… لكنه دخل السجن وهو في التاسعة عشرة، يحمل في داخله ندمًا لا يفارقه: أنه لم يمنح والدته فرحة رؤيته يتخرج من الثانوية العامة.

اللحظة التي غيّرت كل شيء مر أكثر من عام على اعتقاله، حتى التقى بأسير يتقن العربية والإنجليزية.

فطلب منه ببساطة:”علّمني القراءة والكتابة”.
لكن داخل السجن لم تكن هناك ورقة، ولا قلم، ولا حتى مصحف… فكان على الأسرى أن يصنعوا مدرسة من العدم.

مدرسةٌ بلا جدران
تحولت قطع الجبس المتساقطة من ألواح الكرفانات إلى طباشير وصارت أرض القسم سبورة.
أما زجاجات الصودا والشامبو الفارغة، فتحولت إلى كتبٍ يتهجى رفعت كلماتها حرفًا حرفًا.

حين يصبح القيد خطرًا على الجسد
بدأ رفعت يعاني من ألمٍ شديد في جسده، دون أن يعرف سببه أو مصدره.

بعد أن ظهر على جسد رفعت دملٌ مؤلم، ورفضت إدارة السجن تقديم العلاج له، بدأ الأسرى يبحثون عن أي وسيلة لتخفيف معاناته.

حين غاب العلاج… بحث الأسرى عن النجاة
وبما توفر لديهم من إمكانيات بسيطة، تدبروا أمره بأنفسهم، فقاموا بإجراء عملية لاستئصال الدمل باستخدام ملعقة بلاستيكية مكسورة، بعد تعقيمها بكمية قليلة من مادة الكلور المستخدمة لتنظيف الحمامات.

النهاية التي لم تُنهِ الحكاية
بعد تعافيه، عاد رفعت إلى درسه من جديد، يتعلم حرفًا بعد حرف، وكلمةً بعد أخرى وأصبح يطلب من رفاقه كتابة جملٍ جديدة له، ليحاول قراءتها بنفسه.
نصبت إدارة السجن كاميرات المراقبة، ونُقل المعلم إلى قسم آخر، فانقطع الدرس.

رفعت.. حين تحولت الملعقة إلى مشرط والقيد إلى مدرسة
قد يُصادر السجن الورق والقلم وقد يغلق أبواب المدارس أمام الأسرى، لكنه لا يستطيع إغلاق باب التعلّم، ولا إطفاء رغبة الإنسان في المعرفة.
رفعت أثبت أن الإنسان قادر على صناعة طريقه للعلم، حتى في أكثر الأماكن قسوةً، فحوّل القيد إلى مدرسة، والمستحيل إلى واقع.




