بعد عامين ونصف من الاعتقال.. زوجته وأبناؤه لم يتعرفوا على الأسير الصحفي محمد عرب

لم تكن الصورة التي تسربت للأسير الصحفي محمد صابر العبد عرب (44 عامًا) مجرد صورة من داخل قاعة محكمة، بل شهادة صادمة على ما فعلته السجون الإسرائيلية بجسده خلال عامين ونصف من الاعتقال. فقد غيّر التعذيب والتجويع والإهمال الطبي ملامحه بالكامل، حتى بدا وكأنه رجل آخر، يغزو الشيب رأسه ويثقل الإنهاك جسده، إلى درجة أن زوجته وأبناءه لم يتمكنوا من التعرف إليه.
في السابع عشر من آب/أغسطس 2026، ظهرت صورة للأسير محمد عرب خلال جلسة استئناف تقدم بها محامي هيئة شؤون الأسرى والمحررين خالد محاجنة للمطالبة بالإفراج عنه. وكانت الصورة أبلغ من أي رواية، إذ عكست حجم التنكيل والتعذيب والتجويع الذي تعرض له خلال فترة اعتقاله.
وفي حديث خاص لمكتب إعلام الأسرى، قالت زوجته إنها لم تصدق أن الشخص الظاهر في الصورة هو زوجها، مضيفة: “أنا لم أعرفه بعد هذه المدة، ولم يتعرف عليه أبناؤه أيضًا.”
وأوضحت أن محمد يعاني من مشاكل صحية خطيرة، أبرزها إصابة في الغضاريف تعرض لها خلال احتجازه في معتقل “سديه تيمان”، إضافة إلى تدهور بصره في عينه اليسرى بعد أن صادرت قوات الاحتلال نظارته الطبية، ما جعله بحاجة ماسة إلى نظارة جديدة.
اعتقلت قوات الاحتلال الصحفي محمد عرب في الثامن عشر من آذار/مارس 2024 أثناء تغطيته الإعلامية لصالح التلفزيون العربي داخل مجمع الشفاء الطبي بمدينة غزة، بعدما أجبرت جميع الموجودين في المستشفى على تسليم أنفسهم.
وتستعيد زوجته اللحظات الأخيرة قبل اعتقاله قائلة: “آخر مرة رأينا محمد فيها كانت في بداية الحرب. بعد ذلك نزحت أنا وأبنائي إلى جنوب القطاع، ولم أره إلا عبر مكالمة فيديو قصيرة وسيئة الاتصال. تحدثنا معه وهو محاصر داخل مجمع الشفاء، قبل دقائق فقط من أن يسلم نفسه مع بقية المحاصرين.”
وتضيف: “لم أتخيل أن يصل إلى هذا الوضع. صدمت عندما رأيت شكله، كان موقفًا في غاية الصعوبة، أنا لم أعرفه.”
تنقل محمد عرب بين عدة مراكز احتجاز، فبدأ رحلته في معتقل “سديه تيمان”، ثم نُقل إلى معسكر عوفر، وبعدها إلى سجن ريمون خلال فترة انعقاد صفقة “طوفان الأحرار”، ليستقر لاحقًا في سجن النقب.
ويحتجزه الاحتلال بصفة “مقاتل غير شرعي” استنادًا إلى ملف سري، فيما جرى تجديد اعتقاله الإداري أربع أو خمس مرات لمدة ستة أشهر في كل مرة، وكان آخرها في السابع والعشرين من أيار/مايو 2026.
ورغم الظروف القاسية، نجح الطاقم القانوني في تحقيق إنجاز إنساني محدود للأسير، بعدما تمكن من إدخال كمية قليلة من الملابس الداخلية إليه لأول مرة بعد أكثر من عامين من الاعتقال، كما استطاع محمد أن يرى وجهه في المرآة بعد انقطاع طويل.
وخلال زيارة لمحاميه في أيار/مايو 2026، أبلغه محمد بنيته خوض إضراب عن الطعام احتجاجًا على ظروف اعتقاله، إلا أنه اضطر إلى إنهائه سريعًا بسبب تدهور وضعه الصحي وشدة الظروف داخل السجون بعد السابع من أكتوبر، ولم تعلم عائلته بتوقفه عن الإضراب إلا بعد أشهر.
ولا تختصر معاناة محمد عرب في كونه صحفيًا استهدف بسبب عمله، بل تمتد إلى كونه أبًا لخمسة أبناء يعيشون ظروفًا إنسانية بالغة القسوة في قطاع غزة، وسط غياب معيلهم الوحيد.
وتقول زوجته: “أوضاعنا صعبة جدًا في ظل غياب محمد. الوضع في غزة ليس بسيطًا، والأبناء بحاجة إلى والدهم أكثر من أي وقت مضى.”
ورغم مرور عامين ونصف على اعتقاله، وغياب أي لائحة اتهام بحقه، إضافة إلى تدهور حالته الصحية، رفضت محكمة الاحتلال طلب الاستئناف الذي تقدم به الطاقم القانوني للإفراج عنه.
ويُعد محمد عرب اليوم واحدًا من بين نحو أربعين صحفيًا فلسطينيًا لا يزالون يقبعون في سجون الاحتلال، في سياسة تستهدف إسكات الكلمة الحرة وملاحقة الصحفيين. وتبقى قصته شاهدًا حيًا على حجم الجحيم الذي يعيشه أسرى قطاع غزة داخل سجون الاحتلال، حيث لا يقتصر العقاب على الحرمان من الحرية، بل يمتد إلى محاولة سلب الإنسان ملامحه وصحته وكرامته.




