تقارير وحوارات

صورة تكسر القلب… وأمّ تنتظر منذ أكثر من عامين.. شهادة أم الأسير محمود عطا الله الدريملي


انتشرت مؤخرًا صورة مؤلمة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تُظهر شابًا فلسطينيًا معصوب العينين، جالسًا على الأرض داخل ما يبدو موقعًا عسكريًا، بينما يقف من حوله مجندات من جيش الاحتلال في مشهد يحمل طابع السخرية والاستهزاء. هذه الصورة، التي تداولها الآلاف، لم تكن مجرد لقطة عابرة بالنسبة لعائلة واحدة في غزة، بل كانت أول أثر تعثر عليه أمٌّ فقدت خبر ابنها منذ أكثر من عام.
الابن هو محمود عطا الله الدريملي، الذي فُقد أثره في الثاني من نوفمبر 2024، ولم تصل عائلته إلى أي معلومة رسمية عن مصيره حتى ظهرت هذه الصورة.

النزوح والفقدان
تروي والدة محمود أن العائلة كانت نازحة في منطقة المواصي بخان يونس، في الإقليم الجنوبي لقطاع غزة، بعد ما يقارب عامًا كاملًا من التنقل والنزوح المتكرر. وبعد سنة و شهر من استقرارهم النسبي في تلك المنطقة، بدأ محمود يعبّر عن ضيقه الشديد من واقع الحياة في الخيمة، وكان يقول لأمه: “زهقت، بدي أروح على غزة، الواحد يموت في داره أحسنله من إنه يضل عايش بهالخيمة.”
وكانت العائلة تحذّره من الذهاب إلى تلك المناطق نظرًا لخطورتها، إلا أنه كان يخرج يوميًا برفقة أصدقائه ويعود سالمًا، حتى جاء اليوم الذي خرج فيه ولم يعد.
بحثت العائلة عنه في كل المناطق التي يُحتمل وجود معارف أو أقارب له فيها، دون جدوى. وقام والده بإبلاغ المستشفيات والشرطة والصليب الأحمر ووسائل الإعلام، وتواصلوا مع أسرى أُفرج عنهم من غزة عسى أن يحملوا معلومة عنه، لكن دون أي نتيجة.
يوم قبل الفقدان
تستعيد الأم تفاصيل اليوم السابق لفقدان ابنها بحرقة خاصة، إذ كان محمود يلحّ عليها بالخروج من الخيمة ومحاولة العيش رغم الحرب، وأخذها في نزهة إلى البحر، وكان أقرب إليها من أي وقت مضى. تقول: “قبل يوم واحد كان يلح عليّ: بدك إشي يما؟ في إشي مغلبك؟ ما تضلي قاعدة بالخيمة، اطلعي زي الناس، حاولي تعيشي حياتك، الحرب مطولة.”

الصورة: بين الراحة وانكسار القلب

بعد أشهر من الانتظار والغياب التام للمعلومات، وصلت الصورة إلى الأم. تصف مشاعرها المتناقضة بقولها إن قلبها “برد وارتاح” حين تأكدت أن ابنها على قيد الحياة، لكنه في الوقت ذاته “انكسر” وهي ترى منظره مُقيَّدًا معصوب العينين، وسط من يسخرون منه.
وتؤكد الأم أن هذا المشهد لا يشكّل أي إهانة لابنها، بل هو “ إهانة لجيش الاحتلال الذي يدّعي الالتزام بمعايير أخلاقية، وتقول: “هذه صورة تعكس انعدامًا للأخلاق. ابني وكل الأسرى نرفع رؤوسنا فيهم، وربنا يرجعهم بالسلامة.”

دعاء أمّ من بين عشرة آلاف
تختم والدة محمود شهادتها بالحديث عن معاناة جماعية تتشاركها مع أمهات أخريات، إذ تقول إن عدد المفقودين في غزة يقارب عشرة آلاف مفقود، وخلفهم عشرة آلاف أم “تتعذب نفس العذاب كل يوم”، في رمضان، وفي الأعياد، وفي كل مناسبة لا يكتمل فرحها بغياب فلذات أكبادهن.
وتدعو لكل أم فقدت خبر ابنها أن يعود لها بالسلامة ، وأخن يكون من استُشهد منهم في رحمة واسعة، سائلة الله أن يعقب هذه الصورة المؤلمة بأخبار سارة عن محمود وعن كل المفقودين.

زر الذهاب إلى الأعلى