تقارير وحوارات

22 أسيرًا محررًا في غزة ينتظرون عناقًا سرقه الاحتلال

تحرروا من السجن… لكنهم لم يصلوا إلى عائلاتهم

لم يكن هؤلاء الأسرى يحلمون بشيءٍ كبير وهم خلف القضبان.

بعد عشرات السنين من الأسر، لم يتمنَّ أحدهم بيتًا جديدًا، ولا مالًا، ولا حياةً مختلفة. كانوا يحلمون بلحظة واحدة فقط؛ أن يخرجوا من السجن ويمشوا نحو عائلاتهم.

لكن الاحتلال قرر أن يسرق منهم حتى هذه اللحظة.

فاليوم يعيش 22 أسيرًا محررًا أُبعدوا إلى قطاع غزة بعد تحررهم ضمن صفقة طوفان الأحرار في يناير 2025، وهم يحملون وجعًا من نوع آخر؛ وجع الحرية الناقصة. خرجوا من سجون الاحتلال، لكنهم ما زالوا عاجزين عن الوصول إلى آبائهم وأمهاتهم وزوجاتهم وأبنائهم الذين انتظروهم سنوات طويلة.

بعضهم أمضى أكثر من ربع قرن في الأسر. وبعضهم دخل السجن شابًا يافعًا وخرج شيخًا أنهكته السنوات. لكن القاسم المشترك بينهم جميعًا أن الاحتلال ما زال يواصل معاقبتهم حتى بعد الإفراج عنهم.

يقول الأسير المحرر محمد فوزي سلامة، الذي أمضى معظم عمره خلف القضبان وكان محكومًا بالسجن مدى الحياة:

“دخلت السجن وأنا شاب صغير… خرجت وعمري فوق 60 سنة.”

جملة قصيرة.. تختصر عمرًا كاملًا ضاع خلف القضبان.

وحين خرج أخيرًا لم يكن بانتظاره حضن والدته، ولا دموع والده، ولا فرحة شقيقته.

فقد رحل أبوه وأمه وأخته وهم ينتظرون حريته.

رحلوا قبل أن يروه.

رحلوا قبل أن يحققوا الحلم الذي عاشوا لأجله سنوات طويلة.

ويقول بصوت يثقله الفقد: “بقي القليل من العائلة… بدي الحق أشوفهم.”

فحتى هذا القليل، يخشى أن يخطفه الموت قبل أن يتمكن من احتضانه.

أما الأسير المحرر إسماعيل الردايدة، فلم تنته معاناته بخروجه من السجن. فبعد سنوات الاعتقال وجد نفسه مبعدًا إلى غزة، ليعيش هناك النزوح والقصف والجوع والخوف، بينما ما تزال عائلته بعيدة عنه.

خرج من سجن الاحتلال ليجد نفسه في حرب، ومن زنزانة ضيقة إلى انتظار جديد لا يعرف متى ينتهي.

أما المحرر محمد طه شعلان، الذي قضى 26 عامًا في سجون الاحتلال، فيقول إنهم كانوا يعتقدون أن طريق الحرية سيمر عبر مصر وفق ما تم الاتفاق عليه، لكنهم فوجئوا بإرسالهم إلى قطاع غزة، ليكتشفوا أن لقاء العائلة الذي انتظروه عشرات السنين قد تأجل مرة أخرى.

ويؤكد الأسرى المحررون أن مطلبهم اليوم ليس سياسيًا ولا فئويًا، بل مطلب إنساني بحت: أن يروا أمهاتهم وآباءهم وزوجاتهم وأطفالهم قبل فوات الأوان.

فالسنوات التي سرقها السجن كانت كافية.

لكن الاحتلال لم يكتفِ بذلك.

لقد حرمهم من حضور جنازات آبائهم وأمهاتهم، ومن تقبيل أيديهم للمرة الأخيرة، ومن مشاهدة أبنائهم يكبرون عامًا بعد عام. واليوم يحرمهم من حق اللقاء بهم بعد التحرر أيضًا.

ويؤكد مكتب إعلام الأسرى أن ما يتعرض له الأسرى المحررون المبعدون يمثل شكلاً من أشكال العقاب الجماعي الذي يلاحق الأسير حتى بعد خروجه من السجن.

ويشير المكتب إلى أن الاحتلال لم يكتفِ بحرمان هؤلاء الأسرى من أعمارهم وشبابهم، بل يواصل حرمانهم من أبسط حقوقهم الإنسانية، وفي مقدمتها حق اللقاء بعائلاتهم ولمّ شملهم بعد سنوات طويلة من الفراق.

ويحمّل المكتب الاحتلال المسؤولية الكاملة عن استمرار هذه المعاناة الإنسانية، مطالبًا المؤسسات الدولية والحقوقية واللجنة الدولية للصليب الأحمر بالتحرك العاجل لإنهاء ملف الإبعاد وتمكين الأسرى المحررين من لقاء عائلاتهم.

الأسرى.. كانوا يعتقدون أن أصعب ما في الحكاية هو السجن.

لكن بعضهم اكتشف أن الأصعب من الزنزانة أن تصبح حرًا ولا تستطيع الوصول إلى أمك.

أن تقضي ثلاثين عامًا تحلم بلحظة اللقاء، ثم تقف على بعد مئات الكيلومترات من بيتك عاجزًا عن طرق بابه.

أن تعرف أن أمك كبرت، وأن والدك يشيخ، وأن أبناءك صاروا رجالًا، وأن من تحبهم ينتظرونك على الطرف الآخر من الطريق… بينما تبقى أنت عالقًا في منتصف الحلم.

هؤلاء الـ22 أسيرًا تحرروا من السجون، لكن قلوبهم ما زالت معلقة هناك… عند أبواب البيوت التي لم يعودوا إليها، وعند أمهات ما زلن ينتظرن عناقًا تأخر عشرات السنين.

زر الذهاب إلى الأعلى