انتهى الحكم وبقي الأسر: شهران إضافيان للأسير محمد المدني

كانت عائلته تعدّ الأيام للقائه وحريته، وتتهيأ قلوبهم لاستقبال فرحة طال انتظارها بعد 12 عاماً من الغياب والشوق والحنين. كان من المفترض أن يعود إلى منزله، ويفتح بابه بيديه، وتستعيد عائلته شيئاً من السعادة والطمأنينة التي فقدتها منذ لحظة اعتقاله، وأن يمحو بحريته شيئاً من أحزان سنوات الغياب الثقيلة، ومن مرارة انقطاع أخباره وحرمان عائلته من زيارته، كما حُرمت آلاف عائلات الأسرى، فتركت تصارع الانتظار وتترقب أخبار أبنائها عبر الأسرى المحررين من الأقسام ذاتها.
في تاريخ 30/5/2026، كان يفترض أن يعود الأسير محمد أحمد عبد الوهاب المدني (32 عاماً) من مخيم عسكر الجديد إلى منزله متنسماً عبير الحرية، إلا أن العائلة فوجئت بقرار تمديد اعتقاله شهرين إضافيين، دون أن تعلم الأسباب الحقيقية لهذا القرار أو مبرراته.
وتؤكد عائلة الأسير المدني أن أخباره مقطوعة عنها منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، أي منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة. ومع استمرار حالة الطوارئ في سجون الاحتلال، تجهل العائلة ما جرى مع محمد، والأسباب التي أدت إلى تمديد اعتقاله، كما تجهل أوضاعه الصحية وظروف احتجازه في سجن ريمون.
وقد نقل أسرى محررون من السجن ذاته لعائلته أن محمد فقد جزءاً كبيراً من وزنه، شأنه شأن بقية الأسرى في قسمه، إلا أن أحداً لا يعرف على وجه الدقة مقدار ما فقده من وزنه. فكل محرر ينقل معلومة مختلفة، كما تدرك العائلة أن الأسرى غالباً ما يخففون من حقيقة الأوضاع التي يعيشها رفاقهم حرصاً على مشاعر ذويهم. وربما كان محمد نفسه يوصي كل من يغادر الأسر بأن يطمئن عائلته عليه، وألا يحمل إليها ما يزيد قلقها وحزنها، فقد كان دائماً السند النبيل لعائلته، يخفف عنهم أوجاعهم ويقف إلى جانب والده في إعالة الأسرة، خاصة في ظل أوضاعه الصحية الصعبة.
اعتُقل محمد المدني في 30/5/2014، وكان آنذاك شاباً في العشرين من عمره، يساعد أسرته في تلبية احتياجات المنزل. وصدر بحقه حكم بالسجن الفعلي مدة 12 عاماً، وكان من المفترض أن تنتهي محكوميته مع حلول تاريخ الإفراج عنه، قبل أن يُفاجأ هو وعائلته بقرار تمديد اعتقاله شهرين إضافيين.
وحين اعتُقل محمد، كان شقيقه معتز يبلغ من العمر سبعة أعوام فقط. كبر معتز بعيداً عن شقيقه حتى بلغ السادسة عشرة من عمره، قبل أن يرتقي شهيداً برصاص الاحتلال في مخيم عسكر. وقد تلقى محمد نبأ استشهاد شقيقه داخل الأسر، وكان ذلك من أقسى الابتلاءات التي واجهها خلال سنوات اعتقاله.
ولم يكن هذا الفقد هو الحزن الوحيد الذي عاشه محمد في سجنه؛ فقد ودّع خلال سنوات اعتقاله جده وجدته، كما حُرم مشاركة عائلته أفراحها ومناسباتها. تزوج شقيقه وأنجب أطفالاً لم يرهم محمد حتى اليوم، ولا يعرف ملامحهم إلا من خلال ما يصله من أخبار متقطعة.
ويُعد الأسير محمد المدني واحداً من آلاف الأسرى الذين قُطعت مخصصاتهم المالية، فيما تحول الظروف الاقتصادية الصعبة لعائلته دون متابعة أوضاعه بشكل مستمر عبر المحامين، لا سيما أن الوصول إلى سجن ريمون وزيارته يحمّلان العائلات أعباءً كبيرة، فضلاً عن القيود المشددة المفروضة على الزيارات. ومنذ اندلاع الحرب على غزة، حُرم محمد وعائلته من حق التواصل والاطمئنان المنتظم عبر الزيارات القانونية.
واليوم، تخوض عائلة الأسير محمد المدني معركة انتظار جديدة. شهران إضافيان فقط على الورق، لكنهما في وجدان العائلة يبدوان أثقل من اثني عشر عاماً كاملة. شهران يطيلان الشوق، ويؤجلان لحظة اللقاء، ويمران على الأسير نفسه بثقل لا يعرف تفاصيله سوى محمد، وهو يواصل عدّ الأيام خلف القضبان، منتظراً الحرية التي اقتربت ثم ابتعدت من جديد.




