تقارير وحوارات

“صف لي وجهي”.. طلبٌ مؤلم يكشف معاناة الصحفي الأسير محمد عرب بعد أكثر من عامين في الأسر

“في نهاية زيارتي للصحفي محمد عرب في سجن النقب الصحراوي، طلب مني أن أصف له وجهه وملامحه وأن أخبره كيف تبدو عيناه.. فمنذ أكثر من عامين لم يشاهد وجهه في مرآة”.

بهذه الكلمات نقل المحامي خالد محاجنة واحدة من أكثر اللحظات قسوة خلال زيارته للصحفي الفلسطيني الأسير محمد عرب، في شهادة اختزلت حجم المعاناة التي يعيشها داخل سجون الاحتلال. فبعد أكثر من عامين على اعتقاله، لم يعد طلب عرب يتعلق بحريته أو بظروف اعتقاله، بل برؤية وجهه الذي حُرم من النظر إليه طوال هذه المدة.

وأضاف محاجنة أن هذا الطلب بقي الأثقل بين كل ما سمعه خلال الزيارة، مشيرًا إلى أن حرمان الإنسان من رؤية وجهه لفترة طويلة يعني فقدان جزء من علاقته بنفسه وهويته وذاكرته الشخصية.

ويقبع الصحفي محمد عرب في سجن النقب الصحراوي منذ اعتقاله خلال اقتحام قوات الاحتلال لمجمع الشفاء الطبي بمدينة غزة في آذار/مارس 2024، أثناء قيامه بعمله الصحفي وتغطيته للعدوان على القطاع. ومنذ ذلك الحين تعرض للإخفاء القسري لأكثر من مئة يوم، انقطعت خلالها أخباره بشكل كامل عن عائلته والعالم الخارجي.

ورغم مرور أكثر من عامين على اعتقاله، لا يزال الاحتلال يحتجزه دون توجيه تهمة أو تقديمه لمحاكمة عادلة، مستندًا إلى ما يسمى “قانون المقاتل غير الشرعي”. وفي أيار/مايو الماضي طلبت النيابة الإسرائيلية تمديد اعتقاله ستة أشهر إضافية، فيما واصلت المحاكم الإسرائيلية رفض الإفراج عنه.

وخلال إحدى جلسات المحكمة، ظهر محمد عرب مكبل اليدين وقد بدا الهزال واضحًا على جسده. وعندما أتيحت له فرصة الحديث، لم يسأل عن نفسه أو عن ظروف اعتقاله، بل سأل بقلق الأب والزوج: “أهلي بخير؟ مرتي وأولادي عايشين؟”، في مشهد عكس حجم المعاناة الإنسانية التي يعيشها بعيدًا عن أسرته منذ سنوات.

وكان عرب يعمل صحفيًا ومراسلًا ميدانيًا، وبرز خلال العدوان على قطاع غزة في تغطية أوضاع الجرحى والمرضى داخل المستشفيات، ونقل معاناة المدنيين تحت القصف، خاصة خلال الأحداث التي شهدها مجمع الشفاء الطبي.

وخلال فترة اعتقاله، أدلى بشهادة صادمة للمحامي خالد محاجنة بعد مرور مئة يوم على احتجازه، تحدث فيها عن ظروف قاسية تعرض لها المعتقلون داخل معسكر “سديه تيمان”. وأفاد حينها بأن المعتقلين كانوا مقيدين ومعصوبي الأعين على مدار الساعة، ويتعرضون لعمليات تعذيب وإذلال متواصلة، فيما حُرموا من أبسط الحقوق الإنسانية، بما في ذلك النوم والطعام والرعاية الصحية وممارسة الشعائر الدينية.

كما أشار إلى أن المعتقلين كانوا ينامون على الأرض، ويُسمح لهم بدقائق معدودة لقضاء حاجتهم أو الاستحمام، وسط انتشار الاعتداءات الجسدية والانتهاكات الخطيرة التي طالت العديد منهم.

وفي السادس من أيار/مايو 2026، شرع الصحفي محمد عرب في إضراب مفتوح عن الطعام احتجاجًا على استمرار اعتقاله والتدهور المتواصل في وضعه الصحي، في محاولة للفت الانتباه إلى قضيته وقضية عشرات الصحفيين الفلسطينيين المعتقلين في سجون الاحتلال.

وتحول محمد عرب، الذي كرّس سنوات عمله لنقل الحقيقة وتوثيق معاناة الفلسطينيين، إلى واحد من وجوه الحقيقة نفسها خلف القضبان. وبينما يواصل الاحتلال حرمانه من حريته ومن رؤية أسرته وحتى من رؤية ملامح وجهه في مرآة، تبقى قصته شاهدة على الثمن الباهظ الذي يدفعه الصحفي الفلسطيني في سبيل نقل الرواية الفلسطينية إلى العالم.

زر الذهاب إلى الأعلى