تقارير وحوارات

الأسير المحرر كرم وادي.. عامان من التعذيب والتنقل في سجون الاحتلال

لم يكن الأسير المحرر كرم عبد الناصر وادي، ابن مخيم جباليا شمال قطاع غزة، يتوقع أن رحلة النزوح والاحتماء داخل مركز إيواء في بيت لاهيا ستتحول إلى بداية تجربة اعتقال قاسية امتدت قرابة عامين، تنقّل خلالها بين مراكز التحقيق وسجون الاحتلال، وتعرّض لأصناف متعددة من التعذيب الجسدي والنفسي، رغم أنه كان مدنيًا يبلغ من العمر ثمانية عشر عامًا لحظة اعتقاله.
يروي وادي أن قوات الاحتلال اقتحمت مدرسة “خليفة” التي كانت تؤوي النازحين بعد هدنة الأيام السبعة في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، حيث فوجئ النازحون بالدبابات تحاصر المدرسة بعد وضع المطاط على عجلاتها لتقليل الضجيج.
وأضاف إن قوات الاحتلال فصلت الرجال والشبان عن النساء والأطفال، وبدأت باعتقال الشبان بشكل عشوائي دون أي معايير، رغم أن جميع الموجودين داخل المدرسة كانوا من المدنيين.
وأوضح أن الاحتلال نقله بدايةً إلى مركز عسكري مستحدث في المنطقة، حيث خضع لتحقيق أولي، قبل أن يتم نقله عبر الدبابات إلى مقر الاحتلال العسكري في منطقة “إيريز” شمال قطاع غزة، وهناك استمر التحقيق معه لمدة يومين تعرض خلالهما لتعذيب عنيف.
وأكد وادي أنه كان من بين الأسرى الذين تعرضوا للتعذيب بطريقة “الشبح”، حيث جرى تعليقه من السقف ورأسه إلى الأسفل وقدماه مرفوعتان، بينما كانت يداه مقيدتين، مشيرًا إلى أن المحققين كانوا يوجهون له اتهامات لا يعلم عنها شيئًا، ويحاولون انتزاع اعترافات أو معلومات تخدم العدوان على قطاع غزة.
وأشار إلى أنه نُقل لاحقًا إلى معسكر “سيديه تيمان”، الذي لم يكن حينها سجنًا رسميًا، بل مجرد مخزن كبير وموقف للدبابات، واصفًا الظروف داخله بالقاسية والمهينة، حيث كان الأسرى ينامون على فرشات لا يتجاوز سمكها نصف سنتيمتر مع غطاء خفيف لا يقي برد الشتاء القارس.
وقال إنه أمضى اثني عشر يومًا في التحقيق داخل “سيديه تيمان”، مؤكدًا أن الاحتلال رفض التعامل معهم كمدنيين، وكان يسعى خلال التحقيقات لانتزاع أي معلومات قد تفيده ميدانيًا في حربه على قطاع غزة.
وبيّن وادي أنه اعتُقل بعمر 18 عامًا، وقضى داخل الأسر 23 شهرًا كاملة، خرج بعدها وقد بلغ العشرين من عمره، متنقلًا بين سجن “عوفر” المركزي، ومركز تحقيق “عسقلان”، وسجن “النقب”، مؤكدًا أن جميعها شهدت عمليات تعذيب وقمع متواصلة، إلا أن سجن “النقب” كان الأصعب على الإطلاق.
وأوضح أن إدارة السجون كانت تمنح الأسرى الفرشات فقط خلال ساعات الليل، قبل سحبها مع ساعات الفجر، ما يضطرهم للبقاء طوال اليوم على الأرض الباردة أو على الأسرّة الحديدية دون أغطية أو فرشات، في ظل انتشار الأمراض بشكل واسع وسوء التغذية وغياب الرعاية الطبية.
وأضاف أن القمع كان يُنفذ بشكل روتيني دون أي سبب، رغم أن الأسرى يكونون مقيدين بالكامل ولا يشكلون أي خطر، مشيرًا إلى أن الاقتحامات اليومية كانت تهدف فقط إلى الترهيب والإذلال وكسر معنويات الأسرى.
وأكد أن الأشهر الستة الأولى من الاعتقال شهدت اقتحامين يوميين بشكل ثابت، أحدهما صباحًا والآخر عصرًا، وكانت تنفذهما وحدات خاصة تابعة لقوات الاحتلال، حيث اعتاد الأسرى على تمييزها من لباسها وتحركاتها، موضحًا أن الأسرى كانوا يحاولون فقط التخفيف عن بعضهم البعض أثناء الضرب والقمع.
وكشف وادي عن تعرض أسرى لاعتداءات وحشية، بينها تعمّد الضرب على المناطق الحساسة بهدف إحداث إعاقات دائمة، إضافة إلى استخدام الكلاب البوليسية للاعتداء على الأسرى، مشيرًا إلى أن أحد الأسرى تعرّض لعضة كلب في منطقة حساسة ولم يتلقَّ أي علاج حقيقي.
أما على المستوى الشخصي، فقال إنه أُصيب بقنبلة صوت انفجرت قرب أذنه أثناء نومه خلال إحدى عمليات القمع، ما تسبب بفقدانه معظم القدرة على السمع في تلك الأذن، كما تعرّض للتعذيب بالكهرباء داخل سجن “عوفر”، حيث كانت أطرافه تُقيّد وتُوصل أسلاك الكهرباء بأصابعه، مؤكدًا أن شدة الصعقات كانت تفقده الوعي لأيام متواصلة.
وأضاف أن عمليات التحقيق في مركز “عسقلان” رافقها ضرب وتهديد مستمر.
وعن لحظة الإفراج، أوضح وادي أن الأسرى لم يكونوا يعلمون بوجود صفقة تبادل، إذ تعرّضوا قبل الإفراج بيوم واحد لعملية قمع عنيفة، ثم بدأت إدارة السجون بمناداة الأسماء، بينما اعتقد الأسرى أنهم سيُنقلون إلى سجون أخرى.
وبيّن أنه نُقل من قسم إلى آخر داخل سجن “النقب”، وأُدخل إلى غرف مظلمة خضعت لتحقيقات جديدة من قبل مخابرات السجون ومخابرات المنطقة التي يسكن فيها، حيث وُجهت له تهديدات مباشرة بالتصفية والقتل.
وأكد وادي أن أوضاع الأسرى داخل السجون اليوم “مأساوية للغاية”، في ظل نقص الطعام والماء والعلاج واستمرار الإهمال والتنكيل، مشيرًا إلى أن أوضاع الأسرى بعد تعثر صفقات التبادل أصبحت أكثر قسوة وغموضًا، خاصة مع انقطاع الأخبار عن كثير من المعتقلين.
بدوره، أكد مكتب إعلام الأسرى أن شهادة الأسير المحرر كرم وادي تكشف جانبًا خطيرًا من الجرائم والانتهاكات المنظمة التي تمارسها سلطات الاحتلال بحق المعتقلين الفلسطينيين، خاصة أسرى قطاع غزة الذين يتعرضون لعمليات تعذيب ممنهجة داخل مراكز التحقيق والسجون.
وأوضح المكتب أن ما يجري داخل معتقلات الاحتلال، وعلى رأسها “سيديه تيمان” و”النقب”، يمثل انتهاكًا صارخًا لكل القوانين الدولية والإنسانية، ويشمل التعذيب الجسدي والنفسي والتجويع والإهمال الطبي والقمع اليومي والاعتداءات الوحشية بحق الأسرى.
وطالب المكتب المؤسسات الحقوقية والإنسانية الدولية بالتحرك العاجل لكشف الجرائم المرتكبة بحق الأسرى الفلسطينيين، والعمل على محاسبة قادة الاحتلال على الانتهاكات المستمرة بحق المعتقلين.
وفي ظل استمرار الحرب وسياسات الانتقام داخل السجون، تبقى شهادات الأسرى المحررين وثائق حية تنقل حجم المأساة التي يعيشها الأسرى الفلسطينيون يوميًا خلف القضبان، في وقت يواصل فيه الاحتلال استخدام الاعتقال والتعذيب وسيلةً للانتقام وكسر إرادة الشعب الفلسطيني.

زر الذهاب إلى الأعلى