تقارير وحوارات

وطن سباعنة: حلم الجامعة يُؤجل خلف الاعتقال الإداري


في منزلٍ هادئ في بلدة قباطية، الواقعة إلى الجنوب من جنين، تعيش عائلةٌ قصةً لا تكاد تنقطع فيها الاعتقالات والمداهمات، حتى تعود من جديد. فقد كانت الاعتقالات سابقًا تطال الأب، سند العائلة وقلبها النابض، واليوم ورث الابن البكر مسيرة والده في الاعتقال.
ذاك الذي تربّى منذ صغره على غياب طيف أبيه عن المنزل، أصبح اليوم هو الحكاية التي ترافق والدته في الدعاء والقيام والصبر، وحديث إخوته في الاشتياق، وقلب والده وعقله في الانتظار والحنين.
هو الأسير وطن ثامر سباعنة (19 عامًا)، نجل الأديب والمحرر ثامر سباعنة، الذي أمضى شطرًا من حياته متنقلًا بين سجون الاحتلال والسلطة. وقد سار نجله على الطريق ذاته، محبًا لوطنه، طالبًا كرامته، ومحبًا للحياة في الوقت ذاته، حالِمًا بإتمام دراسته الجامعية.
بدأ وطن معركته بين الاعتقال ومقاعد الدراسة، إذ التحق بها في اللحظة الأخيرة قبل فوات الأوان، وبذل كل جهده لينال نجاحًا مستحقًا، رغم مسيرة اعتقالٍ بين سجون السلطة وتحقيقات الاحتلال الميدانية.
تحدث مكتب إعلام الأسرى إلى عائلة الأسير وطن سباعنة، كأحد نحو (3442) أسيرًا إداريًا، تسرق السجون سنوات حياتهم، وأحلام الدراسة، خاصةً لمن لا يزالون على مقاعد الدراسة الجامعية والثانوية، والذين سُلبت منهم حقوقهم الطبيعية في الحياة، فقط لأن جغرافيتهم وُلدت في بلادٍ محتلة.
بدأت مسيرة اعتقال وطن في سجون السلطة، حيث اعتقله جهاز المخابرات العامة في وقتٍ كان أحوج ما يكون فيه إلى الحرية والحياة، إذ كان يستعد لتقديم امتحانات الثانوية العامة التجريبية. وخلال فترة اعتقاله التي امتدت 55 يومًا، لم يُعرض على المحاكم، رغم أنه كان قاصرًا، وصدر قرار من المحكمة الإدارية الفلسطينية بالإفراج الفوري عنه، إلا أن هذا القرار لم يُنفذ، وتمت المماطلة فيه حتى ما قبل امتحاناته الوزارية بـ28 يومًا فقط.
ورغم هذه التجربة القاسية والطريق الوعرة، قرر وطن خوض امتحانات الثانوية العامة فور نيله الحرية، على أن يعيد أي مادة قد يخفق فيها ضمن الدورة الثانية. وقفت عائلته سندًا له، فقدم امتحاناته، وحمل مادة الجغرافيا، لكنه استدركها في الدورة الثانية، ونجح، والتحق بكلية يبوس التطبيقية، مسجلًا في تخصص التصميم.
لكن الأقدار شاءت ألا يلتحق وطن بجامعته وحلمه الدراسي، فقبل أيام من بدء دوامه، وتحديدًا بتاريخ 17/9/2025، اقتحمت قوات الاحتلال منزله، وحاصرته، وحققت ميدانيًا مع جميع أفراد الأسرة، ثم اعتقلته، ليُحوَّل مباشرة إلى الاعتقال الإداري.
وكان وطن قد تعرّض لتحقيق ميداني قبل أول امتحان وزاري له، برفقة والده، وهو يعرف معنى الاعتقال جيدًا، إذ إنه ابن الأسير المحرر ثامر سباعنة، الذي قضى سنوات طويلة في الأسر، ولم يجتمع مع نجله في فضاء الحرية إلا لفترات قصيرة. فحين نال الأب حريته من اعتقاله الأخير، كان وطن معتقلًا لدى السلطة، واليوم الأب حرٌّ بين عائلته، والابن معتقل، وكأن الحكاية تعاد بوجعٍ مضاعف.
تصف عائلة وطن نجلها بأنه الابن المسؤول والبار، كبير في أخلاقه، حنون ومحب لعائلته، واجتماعي، تفتقده عائلته الممتدة بكل تفاصيله الجميلة، الفكاهية منها والحنونة.
اليوم، يقبع الأسير وطن سباعنة في سجن مجدو، وقد عُقدت له محكمة في عوفر، وأُبلغت العائلة بصدور قرار تثبيت الاعتقال الإداري بحقه، بعد أن جدد الاحتلال أمر اعتقاله مرتين لمدة 6 أشهر. وقد علمت عائلته من أسير محرر كان برفقته أنه بدأ يفقد وزنه نتيجة سياسة التجويع داخل السجون، وسوء الطعام وقلة كميته.
وطن واحد من أربعة أبناء لعائلة حفظت تفاصيل طرق الأبواب الليلية، وأصوات الجيبات العسكرية. لم تكن الاعتقالات قصتهم الأولى، ولن تكون الأخيرة مع الاحتلال. فالاقتحامات والتحقيقات الميدانية حاضرة في حياتهم، أما الطمأنينة فهي حلمٌ مؤجل، والصبر عنوان يومياتهم.

زر الذهاب إلى الأعلى