تقارير وحوارات

قلوب معلّقة بين صفقةٍ مؤجلة وحبل إعدامٍ يقترب

الاستقرار في سجنٍ واحد—إن جاز تسميته استقرارًا في ظل الأوضاع الراهنة التي تلاحق حياة أسرى المؤبدات—ليس متاحًا. فكل بضعة أشهر، تُمعن إدارة سجون الاحتلال في نقل الأسرى من أصحاب الأحكام المؤبدة والعالية، وذوي “الأسماء الثقيلة”، من سجنٍ إلى آخر، في صورةٍ انتقامية جديدة تُضاف إلى سلسلة العقوبات الممنهجة التي تُمارَس بحقهم.
وحده الأسير يدرك قسوة هذه التنقّلات، وما يرافقها من اعتداءات جسدية وضربٍ مبرح، سواء خلال النقل أو داخل “البوسطة”، حيث تتحول الرحلة إلى قطعةٍ من الجحيم يُجبَر الأسرى على خوضها دون أدنى مبرر، سوى الانتقام وكسر إرادتهم.
وعلاوةً على هذه التنقّلات المتكررة، تتواتر أخبارٌ ثقيلة تُثقل أرواح الأسرى وعائلاتهم على حدٍّ سواء. فقانون الإعدام بحق الأسرى، الذين يتهمهم الاحتلال بتنفيذ عمليات ضد مستوطنيه وجنوده، يُعدّ انتهاكًا صارخًا لكافة المواثيق الدولية وحقوق الإنسان، وقد قوبل بإدانات واسعة من دول العالم.
ولا تزال عائلات الأسرى تجهل ما إذا كانت هذه الأخبار قد وصلت إلى أبنائها، الذين يرزحون أصلًا تحت أحكامٍ قاسية وغير منطقية. عائلاتٌ لم تغادر ميادين الاعتصام، ولا تزال تتشبث بالأمل في أن يتغير هذا الواقع، وأن ينجو أبناؤها من وطأة هذا القانون الجائر.
تحدّث مكتب إعلام الأسرى إلى عائلات عددٍ من الأسرى القادة، الذين أفنوا أعمارهم دفاعًا عن وطنهم وكرامتهم، ويواجهون اليوم خطر قانونٍ غير شرعي سُنّ بدفعٍ من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير.
تروي زوجة الأسير المؤبد بلال يعقوب أحمد البرغوثي (49 عامًا)، من بلدة بيت ريما قضاء رام الله، وقع هذا القانون على قلوب الأهالي قائلة: “لا أحد يدرك حجم القهر الذي يسكن قلوبنا كعائلات للأسرى، ولا مقدار الخذلان الذي يثقل صدورنا، خاصة نحن الذين تعلّقنا بأمل الصفقات السابقة. انتظرنا الفرج طويلًا، ثم عادت الخيبة لتكسر أرواحنا من جديد.”
وتصف القرار بأنه حملٌ ثقيل يفوق طاقة البشر: “والله إنه لحملٌ لو وُضع على الجبال لتصدّعت، فكيف بقلوبٍ أنهكها الانتظار؟ نحن نظهر أمام الناس متماسكين قدر استطاعتنا، نرتدي ثوب الصبر، ونُخفي خلفه انكسارًا عميقًا. نؤجل دموعنا، ونؤجل انهيارنا حتى لا نسقط دفعة واحدة. ومع ذلك، يقيننا بالله لا يتزعزع، ونؤمن أن هذا الابتلاء لا يضيع، وأن أجره عظيم بقدر هذا الوجع وأكبر.”
ويعاني الأسير بلال البرغوثي من تنقّلات متكررة، إضافةً إلى القمع المستمر، حيث نُقل مؤخرًا من عزل سجن جلبوع إلى عزل سجن مجدو، وتعرّض خلال نقله للتنكيل. كما فقد نحو 50 كغم من وزنه نتيجة سياسة التجويع، ويعاني من أمراضٍ عدة، منها: الضغط، وارتفاع الدهون، والنقرس، والسكابيوس، إضافةً إلى فقدانه إحدى كليتيه.
ويقضي البرغوثي حكمًا بالسجن المؤبد 16 مرة، إضافة إلى 36 عامًا، منذ اعتقاله بتاريخ 2/4/2002، وقد تعرّض سابقًا لأساليب تعذيب قاسية، منها سكب الماء المغلي عليه وكسر أصابعه، في محاولاتٍ لإذلاله وكسر رمزيته.
وفي السياق ذاته، يقول شقيق الأسير إسلام حامد، وابن شقيق الأسير المؤبد إبراهيم عبد الغني حامد (60 عامًا)، من بلدة سلواد: “نحن ندرك أننا نواجه حكومة متطرفة تتعامل معنا كأننا لسنا بشرًا، لكننا مؤمنون بالله، ومتمسكون بأرضنا، ولن نغادرها رغم كل هذه القوانين الجائرة.”
ويقضي إبراهيم حامد حكمًا بالسجن المؤبد 54 مرة منذ عام 2006، ويقبع في عزل سجن جانوت، حيث تعرّض لأشكال متعددة من القمع، فيما يعاني ابن شقيقه إسلام حامد من اعتداءات متكررة وتنقّلات مستمرة، كان آخرها نقله من عزل سجن مجدو إلى عزل سجن جانوت.
أما عائلة الأسير إسلام صالح جرار (52 عامًا) من جنين، فتؤكد إيمانها المطلق بأن كل ما يجري هو بعلم الله، وأن الفرج قريب. إلا أن العائلة تعيش حالة من القلق، في ظل انقطاع أخباره منذ فترة طويلة، وحرمانه من زيارة محاميه بسبب الحرب، مع العلم أنه يقبع في عزل سجن جانوت منذ أكتوبر 2025.
ويقضي جرار حكمًا بالسجن المؤبد 9 مرات، إضافة إلى 7 سنوات، منذ اعتقاله عام 2002، وقد تعرّض هو الآخر لتنقّلات متكررة داخل السجون.
اليوم، تعيش 118 عائلة أسير مؤبد، ونحو 40 عائلة لأسير مهدد بالمؤبد، إضافة إلى عائلات أسرى من غزة، حالةً من القلق والترقب المستمر. عائلاتٌ عنوانها الصبر، لكن قلوبها مثقلة بسنوات الانتظار، وبسياسات التجويع والتنكيل، والبرد القارس، والأمراض، والقمع اليومي الذي ينهك أرواح الأسرى ويستنزف ما تبقى من طاقتهم.

زر الذهاب إلى الأعلى