الأسيرات في العيد: فرحة محرومة ودموع خلف القضبان

في فلسطين، تتنوع الآلام إلى أصنافٍ لا تُعد، تتجاوز مرارة الأيام التي مرت بلا نكهة على موائد الإفطار، لتطال نحو 79 عائلة. أمهاتٌ يرزحن تحت القيد، وعائلاتٌ تشهد غياب فتياتٍ قاصرات لا ذنب لهن سوى أنهن وُضعن خلف القضبان.
أمهاتٌ لم يعشن حياةً طبيعية، ولم يكن همّهن يومًا إيجاد ثوبٍ مناسب لأطفالهن أو إعداد حلوى العيد حقًا طبيعيًا، بل غدت همومهن تتجاوز مفاهيم العقل البسيطة التي لا تعرف معنى الغياب والفقد والاشتياق.
بيوتٌ مكلومة يتوزع الأمل في أرجائها، وتساؤلاتٌ تمر بلا إجابة. غابت أخبار الأسيرات خلال شهر رمضان عن عائلاتهن، وغابت معها طقوس العيد ومعرفة كيف سيمر عليهن في ظل الجراح.
تؤمن عائلات الأسيرات بأن الفرح عبادة، وتقول أمٌ لطفلة معتقلة: “لا بأس، أحوالنا أفضل من غيرنا”، هكذا تُصبر الأم الفلسطينية قلبها، وهي تنتظر لحظة الحرية لابنتها التي بلغت الثامنة عشرة خلف قضبان الاحتلال.
خلف جدران الاعتقال، تودع الأسيرات ما تبقى من شهر الصيام والجوع وفق مفهوم الاعتقال القاسي، ليحل عيد الفطر كضيفٍ ثقيل على طقوس فرحهن، التي يحاولن صناعتها رغم القهر والانكسار.
يؤكد مكتب إعلام الأسرى أن الأسيرات حُرمن من حقوقهن الأساسية والإنسانية، خاصة بعد حرب الإبادة على غزة، والتي انعكست كحربٍ على الأسرى والأسيرات داخل السجون. اليوم، تُحرم الأسيرات من أبسط الاحتياجات: ملابس لا تقي البرد ولا توفر الخصوصية، أغطية غير كافية، طعام غير ناضج، خضروات فاسدة، وحساء بلا لون ولا نكهة، فيما تغيب الفاكهة منذ زمن، ويتعمد السجّان تناولها أمامهن في صورة من صور التعذيب النفسي.
كيف تتحضر الأسيرات للعيد؟
يريد الاحتلال للأسرى والأسيرات موتًا بطيئًا؛ فلا علاج لأمراضهن، ولا أدوية تداوي آلامهن، والماء يصبح الحل الوحيد، وحبة المسكن لا تفي بالغرض.
يأتي العيد مجددًا، والأسيرات محرومات من زيارة الأهل، ومن الاطمئنان على ذويهن، فلا أصوات للأحبة، ولا تهاني، فيما تنتظر العائلات معجزة الحرية، وسط عراقيل متعمدة تعيق زيارات المحامين.
ورغم ذلك، تعلو الأسيرات على آلامهن، ويمارسن “عبادة الفرح” في وجه السجان، فيبذلن جهدهن لإضفاء شيء من البهجة على أيام العيد.
في السابق، كنّ يستيقظن قبل الفجر، يغسلن وجوههن، ويتسابقن لتنظيف الزنازين بما توفر من أدوات، ويرتدين ما توفر من ثياب، ويصنعن حلوى من فتات الخبز والسكر الذي يدخرنه، علّ الفرح يجد طريقه إلى قلوبهن.
أما اليوم، فقد تغيّرت الأوضاع كليًا؛ الصلاة ممنوعة في سجن الدامون، والتفتيش الدائم أصبح عنوان المرحلة.
تؤكد الأسيرة المحررة دلال الحلبي، من قرية روجيب قضاء نابلس، أن أجواء العيد تمر ثقيلة على الأسيرات، وتستذكر بألم تفاصيل أيام العيد التي عاشتها خلال اعتقالها، قائلة:
“ليلة العيد كانت صعبة جدًا، الجميع يتذكر أهله. نساء وفتيات لا حول لهن ولا قوة، وعاطفتهن جياشة تجاه أحبابهن. أمهات بعيدات عن أطفالهن، وفتيات يفتقدن دفء الأسرة.”
وتضيف:
“كنا ليلة العيد بأجسادنا في الدامون، وأرواحنا مع أهلنا. وفي صباح العيد، لا يختلف اليوم عن أي يوم آخر، ومع ذلك كنا نصلي صلاة العيد كلٌ في غرفتها، ونتبادل التهاني، ودموعنا تنهمر قهرًا وشوقًا.”
في منزل الأسيرة الطفلة سالي محمد صدقة (18 عامًا)، من قرية المدية قضاء رام الله، لا عيد في الأفق. يسود الصمت بيتًا يثقل قلب أمٍ مكلومة، فقدت ابنها الشهيد عودة صدقة عام 2022، وتُحرم اليوم من ابنتها الأسيرة.
تحرم سالي للمرة الثانية من أجواء عيد الفطر؛ لن تسمع صوت المآذن، ولن تصلي مع عائلتها، ولن تشم رائحة الكعك الذي كانت تعده والدتها، ولن تسمع أصوات أشقائها الأربعة الذين يسألون عنها باستمرار.
في سجن الدامون، يُعتقل ربيع سالي الثامن عشر. كانت طالبة في الصف الحادي عشر حين اعتُقلت بتاريخ 5/1/2025، وأمضت 36 يومًا في تحقيق المسكوبية.
تؤكد عائلتها أن محاكمتها لا تزال مؤجلة، وأنهم لم يتلقوا أي خبر عنها خلال شهر رمضان، وسط انعدام التواصل وعرقلة زيارات المحامين.
وتقول والدتها:
“لا عيد لنا… سالي أسيرة وعودة استشهد. أطفالي يسألون عنها دائمًا، ورغم ألمنا، نواسي أنفسنا بأن غيرنا أشد ألمًا، ونمضي بالصبر والانتظار.”
وليست سالي الوحيدة؛ إذ لا تزال الأسيرة القاصر هناء هيثم حماد (17 عامًا)، من مخيم العروب قضاء الخليل، رهن الاعتقال الإداري دون سقف زمني، منذ 9/6/2025، وقد حُرمت من إتمام دراستها الثانوية.
كما اعتُقلت الطفلة ندى إياد بني عودة (17 عامًا)، من بلدة طمون قضاء طوباس، بتاريخ 12/2/2026، ولا تزال تخضع لمحاكمة مفتوحة، ما يهدد حقها في التعليم.
وفي منزل الأسيرة أسيل عبد الكريم حماد (34 عامًا)، من بيت فوريك قضاء نابلس، تعيش الطفلة إيلياء مليطات (8 سنوات) عيدًا مختلفًا؛ فوالدتها معتقلة منذ 3/6/2025، ووالدها مصعب مليطات معتقل إداريًا منذ 21/9/2025.
العيد يمر ثقيلًا؛ لا أم تجهز ملابس العيد، ولا أب يمنح “العيدية”، فتغيب ملامح الفرح عن طفولةٍ أنهكها الغياب.
العيد في سجون الاحتلال ليس مناسبة، بل جرحٌ مفتوح. تحاول الأسيرات أن يصنعن من القهر فرحًا، ومن الألم صمودًا، ومن الذل كرامة.
لكن الانتظار ثقيل، والأيام بلا زيارات مؤلمة، والعزلة غير مسبوقة. ويبقى الأمل نافذتهن الوحيدة، حين يتخيلن اجتماعهن بعائلاتهن، ويمنحهن هذا الأمل القدرة على الاستمرار حتى نيل الحرية.




