تقارير وحوارات

في يوم الأم العالمي… أمهات فلسطينيات خلف القضبان ينسجن حكايات الصمود

في ظلال السجون القاتمة، حيث يُخنق الضوء قبل أن تُسلب الأرواح، تتراءى الأمهات الفلسطينيات كأشجار زيتونٍ شامخة، تتحدى الرياح والاقتلاع بجذورٍ ضاربة في عمق الوطن، قلوبهن معلقة بين أملٍ يزحف ببطء وألمٍ يعتصر الروح، ينتظرن أبناءهن خلف القضبان ويتشبثن بحريتهن المسلوبة، وتحت وطأة الصمت والقسوة ينسجن من صبرهن حكايات صمودٍ ترويها الجدران، في مشهدٍ يوميّ يصرخ بصوتٍ مكتوم، يبحث عن ضميرٍ عالميّ يصغي.
في يوم الأم، تحتفل القلوب في كل أنحاء العالم بعطاء الأمهات،
وفي فلسطين… تبقى أمهات خلف القضبان، رهينات جدران السجون القاتمة، محرومات من أبسط حقوقهن الإنسانية، ومن عناق أبنائهن.
في زنازين الاحتلال، تقبع أسيرات فلسطينيات، يواجهن ظروفًا قاسية تثقل الروح قبل الجسد، تاركات خلفهن أطفالًا كُثُرًا، يكبرون على غيابٍ موجع، ويبحثون في الذاكرة عن دفءٍ مؤجل لا يصل.
الأمهات الأسيرات … وجعٌ لا يُختصر
تعتبر قصة الأسيرة أسيل عبد الكريم حماد(34عاماً) من بلدة بيت فوريك، قضاء مدينة نابلس، أحد أكثر قصص الأسيرات الأمهات إيلاماً في سجون الاحتلال، فهي أم لطفلة وحيدة تعيش حالة من الصدمة منذ اعتقال الاحتلال لها بتاريخ 3/6/2025، طفلتها “إيلياء” لا زالت بعمر الثامنة لا تدرك معنى أن تكون أمها معتقلة في سجون الاحتلال، ولا تفهم ما هو الاعتقال الإداري، فقد انتظرت تجديد أمرٍ إداري ل4 أشهر لها لمرتين، ولا زالت والدتها قيد هذا الاعتقال الذي أصبح بلا سقف زمني منذ حرب السابع من أكتوبر.
إيلياء لا تعيش صدمة اعتقال والدتها فقط بل صدمة اعتقال والدها أيضاً الأسير مصعب مليطات، المعتقل إدارياً منذ تاريخ 21/9/2025، إيلياء اليوم تعيش حالة طفولة فلسطينية منفردة، لا أب ولا أم حولها وكل مسميات الحنان والأحضان في العالم لا يمكن أن تفيها حقها في هكذا أوضاع.
في بيت آخر في مدينة طولكرم، يعيش 4 أطفال حالة تشابه حالة الألم التي تعرفها إيلياء، هم أطفال الأسيرة المحامية بنان جمال أبو الهيجا(40عاماً)، تقى جنى حمزة وغنى، 4 قصص طفولة أجبرت والدتهم على أن تتركهم دون دورها وأمومتها الحنونة، فقد اعتقلها الاحتلال بتاريخ 7/5/2025 ومنذ ذلك الوقت تعيش اعتقالاً إدارياً دون سقف، يترصد بها وبعائلتها التي قدمت وضحت للكل الفلسطيني، فشقيقيها عبد السلام أبو الهيجا، وعاصم أبو الهيجا، يعيشان اعتقالً إدارياً متجدداً منذ أكثر من عامين، في حين يقبع والدها قيد الاعتقال المؤبد منذ العام 2002، وهو الأسير الشيخ جمال أبو الهيجا، المحكوم بالسجن المؤبد المكرر 9 مرات و20 عاماً أخرى.
الأسيرة بنان أبو الهيجا، كانت في طريق عودتها من المستشفى حين اعتقلت، حيث كانت في مرافقة لوالدتها المريضة والتي توفيت عقب 5 أيام من اعتقالها، بنان عادت مسرعة لبيتها في طولكرم كي تتفقد ابنتها المريضة، واعتقلت هكذا دون تهمة ودون أي مبرر، ولا وجود للائحة اتهام واضحة موجهة بحقها حتى هذا اليوم.
أطفالها وإن كانوا محاطين بأبٍ وخالة وأقارب حنونين، إلا أنهم يفتقدونها أشد الفقد، يفتقدون وجودها بينهم في الصباح تجهزهم للدراسة، وبصمتها وتربيتها خلال شهر رمضان وخلال طقوس العيد القادمة والتي ستحمل لهم ألماً مضاعفاً أيضاً، وعلى الجانب الآخر تعيش بنان حالة من القلق الدائم على أطفالها تعرف أن لا أحد يتركهم دون رعاية ولكنه قلب الأم دائم السؤال حول ماذا أكلوا ماذا شربوا وماذا لبسوا وكيف تمر أوقاتهم؟.
الأسيرة آية الخطيب(33عاماً) من قرية عرعرة في الداخل المحتل، هي قصة أم أخرى اضطرت أن تترك طفليها لفترة طويلة، فقد اعتقلها الاحتلال بتاريخ 17/2/2020، ولم يكن اعتقالها عادياً، فمنذ هذا التاريخ قضت في الاعتقال مدة سنة وشهرين ثم جرى تحويلها إلى الحبس المنزلي وقضت فيه مدة سنتين و3 أشهر متنقلة بين 3 قرى في الداخل المحتل كانت آخرها في قريتها عرعرة، وبتاريخ 15/8/2023 أصدرت محكمة الاحتلال المركزية في حيفا حكماً فعلياً بحقها يقضي بالسجن الفعلي مدة 4 أعوام.
آية الخطيب أم لطفلين هما محمد الفاتح(14عاماً) وعبد الرحمن(11عاماً) يعيشان على أمل لقاء قريب بها، تمر الأيام عليهم بطيئة في انتظارها، محمد وعبد الرحمن كانا يشاهدان أمهما في المحاكم عبر تطبيق الزوم، الصوت كان يصل لمسامعها متقطعاً غير واضح وكانا يتكلمان معها بالإشارة، اليوم هذان الطفلان البريئان يحلمان بلحظة عناق والدتهما، بالكعكة التي سيجلبانها ليحتفلان بحريتها، وبحق من الحياة سلب منهما ومن ذاكرة طفولتهما.
المرأة الفلسطينية: صمود في وجه المحن
كانت الأشهر الأخيرة فصلاً دامياً في قصة المرأة الفلسطينية، حيث تصاعدت الانتهاكات كسياط تنهال على أجسادهن وأرواحهن، في ظل حرب إبادة جماعية تطال الشعب الفلسطيني في كل أرض يقيم عليها، الأسيرات، ومنهن الأمهات فهن يعشن قهراً لا ينتهي، وسط تنكيل يومي يمزق كرامتهن وينتهك إنسانيتهن، دون أن يرف جفن للمحتل أو يتحرك ضمير العالم، ومنذ فجر هذه الحرب الظالمة، انطلقت حملات اعتقال واسعة ابتلعت عشرات الآلاف من الأرواح بينهم 500 امرأة فلسطينية، بعضهن أمهات، وبعضهن رهائن تُستخدمن كأدوات ضغط لكسر إرادة أحبائهن.
تبدأ مأساة الأم الفلسطينية مع اقتحام جنود الاحتلال لملاذها الآمن في جنح الليل، حيث تُنتزع من بين أطفالها بعنف، تحت وميض السلاح وصرخات الصغار التي تملأ الفضاء رعباً، لا تتوقف رحلة عذابها عند الاعتقال، بل تمتد إلى لحظات النقل والتحقيق القاسية، حيث تُساق إلى الزنازين وسط الإهانات، وتُعذب نفسياً وجسدياً في مسرحية من الوحشية.
منذ بدء هذه الحرب، حُرمت الأسيرات من لقاء أهلهن، عُزلن عن العالم الخارجي، ومُنع الصليب الأحمر من زيارتهن، فيما وضعت العراقيل أمام المحامين، لتبقى الأم الفلسطينية في سجنها وحيدة، تحمل في قلبها حنيناً لا ينطفئ وألماً لا يُحتمل، هكذا تستمر مأساة الأم الفلسطينية، اعتقال يسرق حريتها، عزلة تقتل أملها، ومعاناة تُخلف في الروح ندوباً لا تُمحى، في صورة تتكرر يوماً بعد يوم، تناشد ضميراً عالمياً ما زال صامتاً.
بعد أن تُنتزع الأسيرات من أحضان بيوتهن، تبدأ فصلاً جديداً من المعاناة في مراكز التحقيق التابعة للاحتلال، هناك، تُساق النساء إلى دوامة من القسوة، ساعات طويلة من الوقوف في ظروف تفتقر إلى أدنى معاني الإنسانية، يُحرمن خلالها من النوم والطعام، ويُواجهن تهديدات متواصلة بالعنف بكل أشكاله، كل ذلك بهدف انتزاع اعترافات أو معلومات تحت الضغط، وفي ظل هذا الجحيم، تُمنع الكثيرات من لقاء محاميهن، فتتفاقم آلامهن، تاركة ندوباً عميقة في أجسادهن وأرواحهن، لا تُمحى بمرور الزمن.
سجن الدامون: زنزانة القهر والحرمان
في أروقة سجن “الدامون”، حيث تحتجز الغالبية العظمى من الأسيرات الفلسطينيات، ازدادت ظروف هذا السجن قسوة بعد السابع من أكتوبر، لتصبح جحيمًا لا يُطاق، خاصة في الأسابيع التي تلت ذلك اليوم، هناك تتعرض الأسيرات لاعتداءات متواصلة، عزل انفرادي يخنق أرواحهن، تنكيل ممنهج من وحدات القمع، ومصادرة ممتلكاتهن الشخصية، حتى أُجبرت بعضهن على النوم على الأرض الباردة لنقص الأغطية والملابس، وفي ظل البرد القارس تبقى الأسيرات أسيرات لملابس اعتُقلن بها دون تغيير، بينما تُمارس إدارة السجن سياسة التجويع، فتحرمهن من شراء الطعام وتقدم لهن وجبات هزيلة تفتقر إلى الكم والجودة، إلى جانب الإهمال الطبي المتعمد الذي يفاقم معاناتهن.

زر الذهاب إلى الأعلى