تقارير وحوارات

عيد الفطر خلف القضبان… فرحة مسروقة تنتظر الحرية

في زوايا السجون، حيث يتسلل الفجر بخيوطه الأولى خجولًا، تعلن الأسرّة الصلبة عن يومٍ مختلف… يوم يُفترض أن يكون عيدًا.
لكن داخل السجن، لا تعترف الجدران بالمواسم، ولا تفرّق بين العيد وأيام القيد الطويلة. هنا، تُختزن الأنفاس خلف القضبان، فتغدو الفرحة مقاومة، والابتسامة تحديًا، والبكاء صلاةً خفيّة لا يسمعها إلا الله.
أكثر من 9300 أسير فلسطيني يقبعون اليوم في سجون الاحتلال، يستقبلون عيد الفطر بعيدًا عن عائلاتهم، محرومين من أبسط حقوقهم الإنسانية.
فكيف يكون العيد، وأيدي الأمهات الأسيرات خاوية من دفء أطفالهن؟ وكيف تفرح مريضة تُصارع الألم، وهي تمسك قطعة حلوى لا تناسب مرضها، لكنها كل ما استطاعت رفيقاتها جمعه من فتات “السكرّة”؟
تُخفي الأمهات دموعهن خلف ابتسامة مُتعبة، حين يسألهن الأطفال عبر الهاتف: “متى نراكِ؟”…
ويُخفين وجعهن، لأن العيدرغم كل شيء واجبٌ مقدس، حتى لو كان الجسد مُثقلاً بالقيود.
في سجون الأطفال، تتحول أوراق الزيارات الباهتة إلى بطاقات عيد.
يتقاسم الصغار قطعة شوكولاتة كأنها كنز، ويحلمون بلحظة خارج الجدران. بعضهم لم يرَ البحر قط، ولم يتذوق كعك العيد، لكنهم يتعلمون مبكرًا أن الكرامة أكبر من الفرح المؤجل.

العيد في السجون… قهرٌ مضاعف
يعيش الأسرى خلف جدران شاهقة وغرف مغلقة ظروفًا قاسية: تعذيب، تجويع، تنكيل، ضرب متواصل، واعتداءات لا تتوقف.
يأتي العيد دون زيارات، دون رسائل، دون صوتٍ من الخارج. تُصادر مقتنياتهم، ويُضيّق عليهم حتى في أبسط حقوقهم، فيما تُقيّد زيارات المحامين، ويُحرم كثيرون من العلاج.
ومع استمرار حرب الإبادة على غزة، تتفاقم المعاناة داخل السجون، حيث تنتشر الأمراض، خاصة الجلدية، ويُترك المرضى دون علاج، في سياسة إهمال طبي متعمد.
العيد… أيام ثقيلة
تمر ساعات العيد بطيئة وثقيلة، لكن الأسرى يحاولون صناعة عيدهم الخاص: يغسلون وجوههم بقليل من الماء، ينظفون زنازينهم بأدوات بدائية، يرتدون “أجمل” ما لديهم من ملابس السجن، ويصنعون حلوى بسيطة من بقايا السكر والخبز، ويتبادلون التهاني همسًا خوفًا من العقاب.
لكن هذا العام، حتى هذه الطقوس البسيطة مُنعت.
صلاة العيد الجماعية محظورة، والتنقل بين السجون ممنوع، والتفتيشات المهينة تتصاعد.

العيد في سجون الاحتلال جرحٌ مفتوح.
تتضاعف معاناة الأسرى في الأعياد، بين شوقٍ لا يُحتمل، وواقعٍ قاسٍ من التعذيب وسوء الطعام وتردي الأوضاع الصحية.
ومنذ السابع من أكتوبر، اشتدت الانتهاكات بشكل غير مسبوق، مع استمرار التحريض الرسمي، ومنع زيارات الأهل، وتقييد المحامين، وحرمان الصليب الأحمر من الوصول، ما جعل آلاف المعتقلين خاصة من غزة في عداد المختفين قسرًا.
كل تهنئة هي تحدٍ، كل ابتسامة مقاومة، كل دمعة شهادة.
ورغم ذلك، يعرف الأسرى أن الأمل لا يُسجن.
فيحوّلون القهر إلى قوة، والألم إلى صمود، والقيود إلى معنى للكرامة.
كل عام وأسرانا أقرب إلى الحرية…
فمهما طال الليل، لا بد من فجرٍ يشرق على سجونهم .
فجرٌ يحمل عيدًا حقيقيًا… بلا قضبان.

زر الذهاب إلى الأعلى