رمضان خلف القضبان: 70 أسيرة في سجن الدامون بين التجويع وكسر الروح

في فلسطين، بقصصها المتشعبة والمؤلمة، هناك نحو سبعين بيتًا يستقبل شهر رمضان بغصّةٍ لا يعرف معناها إلا من ذاقها.
كرسيٌّ فارغ على مائدة الإفطار لا يحمل جسدًا غائبًا فحسب، بل روحًا كانت تنبض بالحياة اليومية، وبحقّها الطبيعي في العبادة ولمّ الشمل والاجتماعات العائلية.
نحو 24 أمًّا انتُزعن من بيوتهن إلى سجون الاحتلال، تاركاتٍ أطفالًا يقضون رمضان بلا أمّ، بلا دفءٍ منزلي، بلا بهجة الاستعداد للإفطار. وعلى الجانب الآخر، هناك أمهات لا يمرّ الطعام من حلوقهن — على قلّته — بل من أفئدتهن التي يمزقها الشوق.
اليوم، تُعتقل معظم الأسيرات في سجن الدامون بتهمة “التحريض” عبر مواقع التواصل الاجتماعي. بينهن صحفيات، مهندسات، محاميات، قاصرات، ونحو 13 طالبة جامعية انتُزعن من مقاعد الدراسة.
يسلّط مكتب إعلام الأسرى الضوء على واقع حياتهن في رمضان: طعامٌ باردٌ وشحيح، حرمانٌ من الشعائر، منعٌ للإمساكيات، استمرار لحالة الطوارئ، وحرمان من زيارة الأهالي والتضييق على لقاء المحامين.
طفلة وحيدة
إيلياء مليطات، طفلة لم تتجاوز العاشرة من عمرها، سُلب منها الركنان الأساسيان في حياتها.
والدها الأسير مصعب مليطات أُعيد اعتقاله بتاريخ 21/9/2025 ضمن ملف الاعتقال الإداري المتجدد، ووالدتها الأسيرة أسيل مليطات معتقلة منذ 3/6/2025.
يمرّ رمضان على عائلةٍ كاملة مشتتة بين السجون.
كان يفترض بإيلياء أن تساعد والدتها في إعداد مائدة الإفطار، أن تذاكر دروسها بقربها، أن تتشاجر معها على وجبة السحور. لكنها اليوم تترقّب أخبار والديها عبر زيارات المحامين.
طفلة في عمرٍ غضّ أصبحت تعرف مفاهيم الاعتقال والسجن والحرية المسلوبة، في وقتٍ كان ينبغي أن تعرف فيه فقط ألعابها الصغيرة.
شهادات من الألم
تروي الأسيرة المحررة دلال فواز الحلبي (55 عامًا) من بلدة روجيب – نابلس، والتي اعتُقلت بتاريخ 30/1/2025 وأُفرج عنها بعد عامٍ من الاعتقال الإداري، كيف أمضت رمضان في السجن.
تقول:”لم نكن نعلم متى بدأ شهر رمضان. طلبنا إمساكية من الإدارة، وأحضروا واحدة اعتمدناها لتحديد مواعيد الإفطار والصلاة والسحور.”
بعد أيام، اكتشفن عبر أسيرة جديدة أن الإمساكية كانت خاطئة، وأنهن أفطرن قبل الموعد. انقسمت الأسيرات بين من قررن قضاء الأيام ومن اعتبرن صيامهن صحيحًا. واليوم، لم يعد يُسمح بإدخال الإمساكيات أصلًا.
وتضيف الحلبي:”كانوا يجمعون لنا الوجبات الثلاث قبل الإفطار ويقدّمونها باردة جدًا. شهر كامل لم يمرّ حساء ساخن من أفواهنا. حتى الشاي كان باردًا لا يشبه الشاي.”
الطعام كسلاح
شهادة الصحفية المحررة رولا إبراهيم حسنين، التي اعتُقلت في 19 آذار/مارس 2024 وقضت عشرة أشهر في الأسر، تؤكد ذلك:
“الطعام لا يكفي لإطعام عصفور. نوعيته رديئة وكميته محدودة، في سياسة متعمدة للضغط علينا. صودرت أدوات المطبخ وممتلكاتنا وملابسنا.”
أما الصحفية بشرى الطويل، التي أُفرج عنها ثم أُعيد اعتقالها إداريًا، فقالت:”الشوربة كانت ماءً قد تجدين فيه حشرات. مياه الشرب غير نظيفة. الإدارة لا تحترم قدسية رمضان، وتعرقل الصلاة وقراءة القرآن، وتبلّغنا بمواعيد خاطئة للإفطار.”
تستذكر الحلبي مشاهد الإذلال:
السجّان يقشّر مانجا أو يأكل تفاحة أمامهن، بينما تُحرم الأسيرات من الفاكهة.
الخضار فاسدة، تُقطع بملاعق بلاستيكية لعدم وجود سكاكين.
الأرز نيئ، ثلاث ملاعق بالكاد.
بيضة يوميًا صفارها مسودّ من كثرة السلق.
ست قطع خبز خلال 24 ساعة.
البقوليات تُقدَّم دون نكهة أو بهارات.وإذا أُعيد الطعام التالف، فالعقوبة الجوع.
لا مراعاة لمرضى السكري أو أصحاب الأمراض المزمنة.
“ديكسامول” وكأس ماء هو العلاج لكل داء.
رمضان في سجن الدامون امتحان قاسٍ للجسد والروح ،تجويعٌ ممنهج، إذلالٌ متعمد، وحرمانٌ من أبسط الحقوق الدينية والإنسانية.
ومع ذلك تبقى الأسيرات متمسكات بصيامهن، كأنهن يثبتن أن الروح أقوى من القضبان.




