رمضان خلف القضبان… حين يصبح الجوع نظامًا يوميًا

تسأل والدةُ أحد الأسرى سؤالًا صريحًا واضحًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي ومجموعات تناقل أخبار السجون؛ تريد أن تعرف كيف يصل خبر إعلان بداية شهر رمضان إلى الأسرى. يجيبها أحد الأسرى المحررين موضحًا: الأسرى في صيامٍ متواصل منذ حرب السابع من أكتوبر، فالصيام لم يعد تقويمًا خاصًا بشهر رمضان في سجون الاحتلال. كنا نصوم كل يوم، لكننا نعلم أن شهر رمضان قد بدأ حين يتغيّر موعد إدخال الوجبات الضئيلة إلينا، أو حين يتكرّم السجّان ويخبرنا بذلك.
شهر رمضان، في الحقيقة، بدأ منذ أشهر طويلة في السجون. الأسرى المحررون يروون أنهم كانوا يعمدون كل يوم إلى تجميع حصص الطعام حتى موعد أذان المغرب بنيّة الصيام، لعلّ جسد الأسير يشعر بشيءٍ ضئيل من الشبع. حبّة الأرز في السجون كنز، وأوعية الطعام يتعامل معها الأسرى كأنها غرضٌ مقدّس. علبة اللبن التي قد تُرمى في سلة المهملات خارج السجن، هي صحنُ الأسير؛ وإن تمزّقت أعاد ترميمها بخيوط يحصل عليها بصعوبة بالغة داخل السجن. الملاعق البلاستيكية – إن توفّرت – والتي لا نلقي لها بالًا، تُعدّ ممتلكاتٍ خاصة وثمينة للأسير، حتى إنه قد يُحدث فيها ثقبًا ويضع خيطًا علامةً لها كي لا تختلط بملعقة أسيرٍ آخر.
الهدايا في السجون بين الأسرى هي وجبات طعام؛ فقد يعلم أحد الأسرى، ممن اعتادوا الجوع، أن أسيرًا جديدًا دخل السجن ولم يعتد بعد قلّة الطعام وشعور الجوع القاتل، خاصة في الليل، فيرسل إليه على عجل وجبته، فيراها الأخير هديةً باهظة الثمن.
كتب المحرر عامر عرفة مشهديةً لصورة الأسير في رمضان داخل سجون الاحتلال عبر صفحته الشخصية على “فيسبوك”، تكاد كلماتها تتحوّل صورًا، إذ قال: يعرف الأسير أن رمضان حلّ، لا لأن صوت المدفع دوّى، ولا لأن المساجد امتلأت، بل لأن وجبة السجن تغيّر وقتها، ولأن الجوع صار أكثر تنظيمًا. الإفطار هنا ليس فرحًا، بل إجراء؛ صحنٌ بارد، كمية أقل، ووقت أقصر، وكأن الجوع يجب أن يُضبط أمنيًا. في هذا الشهر يتضاعف الألم، ليس لأن الصيام أصعب، بل لأن الذاكرة أنشط. رمضان يفتح دفاتر العائلة واحدةً تلو الأخرى: كيف حالهم؟ هل اجتمعوا؟ من جلس في مكاني؟ هل تركوا الكرسي فارغًا احترامًا للغياب، أم اضطروا لملئه كي لا ينكسر المشهد؟
في سجون الاحتلال، لا تحترم الإدارة ولا السجّان قدسية شهر رمضان، ولا تُراعى طقوسه الدينية، ولا تُتاح للأسرى حرية العبادة وممارسة الشعائر، بل تُعرقل ذلك عمدًا، وتفرض قيودًا حتى على قراءة القرآن جهرًا والصلاة الجماعية. فيعاني الأسرى الأمرّين في شهر رمضان، بين الحرمان والشوق والحنين إلى الأهل، وظروف الاحتجاز الصعبة، وما يتعرضون له من تعذيبٍ قاسٍ واعتداءات وضربٍ وتنكيل، إضافة إلى سوء الطعام وقلّته كمًّا ونوعًا، وتردّي الأوضاع الصحية مع استمرار سياسة الحرمان من العلاج والإهمال الطبي المتعمّد.
الانتهاكات الرمضانية
لا أحد أصدق في نقل صورة حيّة لأوضاع السجون والأسرى خلال شهر رمضان من أسيرٍ محرّر عاش تلك الأوضاع، خاصة أولئك الذين عايشوا الشهر الفضيل قبل حرب السابع من أكتوبر وما بعدها. يوضح المحرر المقدسي إسحاق عرفة، المُبعد إلى تركيا في صفقة “الطوفان”: “قبل حرب السابع من أكتوبر كان لشهر رمضان طقوس خاصة داخل الأسر، وكانت الحركة الأسيرة تنظّم جدولًا يوميًا لاستثمار الشهر بالعبادة”.
هذا كان واقع السجون في رمضان قبل الحرب، أما بعدها فهو حكاية أخرى. يوضح إسحاق عرفة: “الأمور أصبحت أسوأ بعد الحرب على غزة، إذ تعمّدت إدارة السجون زيادة انتهاك حقوق الأسرى. كان رمضان الماضي قاسيًا، وأصعب شهر مرّ على الأسرى؛ نصوم ساعات طويلة ونفطر ولا نشبع بسبب سياسة التجويع. الغرف مظلمة طوال الوقت، سحور في العتمة، وطعام فاسد وقليل، وتعمدت قوات الاحتلال مضاعفة أعداد الأسرى داخل الغرفة إلى أكثر من 12 أسيرًا، وسحبت المصاحف والفرش والأغطية وأدوات الطعام البسيطة”.
الأسير المحرر معمر غوادرة، المبعد إلى جمهورية مصر العربية في صفقة “طوفان الأحرار”، من قرية بير الباشا قرب جنين، يشير كذلك إلى أن ظروف الحياة داخل السجون ازدادت قسوة بعد اندلاع الحرب على قطاع غزة في السابع من أكتوبر. يقول: “ضاعف الاحتلال معاملته الوحشية، إلى جانب الاقتحامات، وكان يتعمد تأخير الطعام ساعتين أو أكثر بعد موعد الإفطار. لم يكن إفطارًا؛ كان أي شيء إلا طعامًا يصلح للآدمي. طعام قليل وبارد وسيئ وغير مطبوخ، وكل أسير داخل السجون خلال فترة الحرب خسر ما بين 30 إلى 40 كيلوغرامًا من وزنه، وربما أكثر”.
ويبيّن المحرر محمد العمصي من مدينة غزة أن الاحتلال مارس ضد الأسرى صنوفًا من التعذيب؛ من اقتحام الغرف والاعتداء عليهم بالضرب المبرح، إلى الحرمان من الطعام والشراب وحتى الاستحمام. يقول: “كنا لا نجد ماءً للوضوء طوال اليوم إلا ساعة واحدة خلال النهار، وحمامات الغرف لا تتوفر فيها النظافة بسبب شحّ المياه. وكان الأسرى يفطرون بعد موعد الإفطار بنصف ساعة أو أكثر، لعدم توفر الإضاءة في الأقسام المختلفة بشكلٍ مقصود”.
رمضان وأهالي الأسرى
يمرّ شهر رمضان ثقيلًا على منزل الأسير الشبل حمزة منصور (17 عامًا) من مدينة نابلس. قبل أيام، كانت والدته تتساءل كيف سيكون شهر الصيام هذا العام في ظل غياب نجلها. تقول إن الجميع يستعدّ للشهر، لكنها لا تملك رفاهية الاستعداد، فابنها غائب عن المنزل، يحاصره اعتقال إداري بلا سقف منذ تاريخ 9/2/2025. واليوم تعيش الألم ذاته بصورة مضاعفة؛ إذ جرى اعتقالها قبل أيام من منزلها، لتصبح واحدة من بين نحو 62 أسيرة يعشن شهر رمضان في السجون في ظل انتهاكات يومية.
الأسيرة سلام منصور، والدة الأسير حمزة، روت قبل اعتقالها لمكتب إعلام الأسرى أن الاحتلال اقتحم منزلها ذات مرة، وكان نجلها البكر معتقلًا، وحمزة الأصغر معتقلًا، ونجلها الثالث ذاق الاعتقال أيضًا، وأب العائلة اعتُقل. فقالت للجنود المقتحمين دفء منزلها: من تبقّى لتعتقلوه؟ لم يبقَ سوى أن تعتقلوني أنا؟ واليوم، أصبحت سلام منصور معتقلة أيضًا، ليكون منزلها قد ذاق ساكنوه مرارة الاعتقال جميعًا. وغاب طيف حضورها عن وقفات التضامن، ممسكة صورة ابنها كأنها تحتضنه. اليوم غابت الصورة، وغاب الجسد، وغاب الصوت.
جلّ أهالي الأسرى يعيشون حرب أعصاب، خاصة في ظل عدم تمكنهم من زيارة أبنائهم أو الاتصال بهم. عائلة الأسير معاذ أبو تيم من مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة تعيش، منذ بداية الحرب، فصولًا من المعاناة فقط للحصول على خبر عن ابنهم الذي يقضي حكمًا بالسجن 13 عامًا ونصف. تتواصل العائلة مع المؤسسات العاملة في مجال الأسرى، والصليب الأحمر، وعدد من المحامين، لكن مطلبها واحد: أن تعرف إن كان بخير. كيف يصوم؟ كيف يفطر؟ هل يسمع أذان المغرب؟ تقول العائلة: “المؤسسات المعنية لا تستطيع أن تنقل لنا أخبار أسرانا، فمن يفعل؟”.
المحامي خالد محاجنة، الناشط في الدفاع عن الأسرى في الداخل الفلسطيني، يؤكد أن جميع الصائمين في العالم يفطرون مع أذان المغرب، إلا أسرى سجون الاحتلال، إذ تمنع إدارة السجون إنارة الأقسام، ما يضطر بعضهم إلى تأخير إفطارهم لعدم تمكنهم من الإفطار في الأقسام المعتمة.
ويقول أمين شومان، رئيس الهيئة العليا لشؤون الأسرى في رام الله، إن الاحتلال يستغل الصمت الدولي لمواصلة ارتكاب جرائم وانتهاكات خطيرة بحق الأسرى الفلسطينيين في غياب أي رقابة، مشيرًا إلى أن ما يجري في السجون لم يحدث في أي مكان في العالم، وأن الاحتلال ينفذ جرائمه بعيدًا عن المساءلة.
عائلة الأسير الموقوف سليمان محمود كميل (18 عامًا) من بلدة قباطية في جنين، المعتقل منذ 2/7/2025، بدأت شهر رمضان بثقل نفسي كبير، حين ظهر ابنهم في أحد فيديوهات القمع الذي تعرض له الأسرى في سجن عوفر خلال اقتحام بن غفير قبل أيام. أظهرت المشاهد أن إدارة السجون لم تُراعِ وضعه الصحي؛ فهو يعاني من كسور في الفقرتين الثالثة والرابعة، وآثار دهس جيب عسكري له عام 2024 سببت تمزقًا في الأوتار في الجهة اليسرى، وتهتكًا في الأعصاب. وقبل اعتقاله كان يتناول أدوية يومية، ويلزمه مشدّ خاص لإصابته في ظهره، لا يستطيع ممارسة حياته بدونه.
تؤكد العائلة أنها تعرّفت عليه في الفيديو رغم تغيّر ملامحه. وحين سُئلت والدته كيف عرفته، قالت: “قلب الأم عرفه”. وأكد محاميه أنه كان من بين الأسرى الذين تعرضوا للقمع، وهو يعاني من نقص حاد في وزنه، وآلام في أسفل ظهره، وتورم في قدميه، وآلام في الخاصرة نتيجة تكلسات في الكلى، إضافة إلى صداع حاد بسبب سوء التغذية ومشكلات الظهر والكلى.
وفي بيت فوريك، في منزل الطفلة إيلياء مصعب مليطات، لا أجواء رمضانية؛ فالأم والأب قيد الاعتقال، والابنة تنتظر منذ أشهر عودتهما. لعلّ رمضان يمضي بقربهما، لكن الانتظار طال. يعتقل الاحتلال والدتها، الأسيرة أسيل عبد الكريم مليطات، منذ 3/6/2025، وصدر بحقها أمر اعتقال إداري لمدة أربعة أشهر، فيما يعتقل والدها، الأسير مصعب مليطات، منذ 21/9/2025 رهن الاعتقال الإداري أيضًا.




