قرية ترمسعيا.. الأسير منتصر سلامة يتشارك مع نجليه مرارة الاعتقال والتجويع

تبذل عائلات الأسرى جهدًا جبارًا في التعرّف على أبنائها بعد الإفراج عنهم من سجون الاحتلال؛ فالأسرى يدخلون بأجسادٍ رياضية صلبة، ويخرجون وقد تهالكت جلودهم ووهنَت أطرافهم. تصبح حركتهم بطيئة، ومضغ الطعام مهمة شبه مستحيلة، بعدما اعتادت عضلات الفك لأشهر طويلة على القليل من الغذاء اللين، فلا يتحرك الحنك إلا للضرورة، ويغدو الحديث ممنوعًا، والأكل ظاهرة استثنائية.
تتجسّد كل هذه المعاني في مشهد حرية الأسير المعاد اعتقاله منتصر ناجي سلامة (46 عامًا)، من سكان قرية ترمسعيا شرق مدينة رام الله. فحين نال حريته في شهر تموز/يوليو من العام 2024، كانت أوضاعه الصحية بالغة الصعوبة؛ إذ ركضت ابنته لملاقاته، غير أنه، لشدة ضعف جسده وتعبه نتيجة التجويع داخل السجون، لم يستطع حملها، فاضطر الموجودون من أقاربه لمساعدته. وحتى حين حضر المهنئون إلى منزله لتقديم التهاني بحريته، لم يكن قادرًا على الوقوف لمصافحتهم، وكانت الحركة بحد ذاتها جهدًا شاقًا.
كان ذلك الاعتقال هو الأخير قبل اعتقاله الحالي، والذي سبق أن بدأ في شهر آب/أغسطس من العام 2022، حيث أمضى عامين في الاعتقال الإداري، وتحرر آنذاك من سجن النقب بعدما فقد نحو 30 كيلوغرامًا من وزنه نتيجة سياسة التجويع القاتلة داخل السجون. وقد اعتُقل الأسير سلامة سابقًا مرات عدة على فترات متفرقة، ليبلغ مجموع ما أمضاه في سجون الاحتلال نحو سبع سنوات، لكنها لا تقارن بسنة واحدة اليوم تحت مسمى “حالة الطوارئ” داخل السجون.
أعاد الاحتلال اعتقال الأسير منتصر سلامة مطلع شهر كانون الثاني/يناير من العام 2026، ولا يزال، بحسب تأكيد عائلته، محتجزًا في سجن مجدو، حيث يقبع موقوفًا ويخضع لإجراءات محاكمة مستمرة.
لم تتوقف مأساة عائلة الأسير منتصر سلامة عند اعتقاله، إذ يواجه ابناه المصير ذاته، فابنه البكر ناجي منتصر سلامة (21 عامًا) اعتقله الاحتلال خلال شهر تشرين الثاني/نوفمبر من العام 2024، وحُوّل ملفه إلى الاعتقال الإداري، حيث صدر بحقه حتى اليوم ثلاثة أوامر اعتقال إداري. ويتواجد حاليًا في سجن عوفر، ويعاني من آثار مرض جلدي هو “السكابيوس”، المنتشر بين الأسرى نتيجة الظروف الصحية القاسية داخل السجون.
ناجي سلامة طالب جامعي سرقه الاحتلال من مقاعد دراسته قسرًا؛ إذ يدرس تخصص الأحياء في جامعة بيرزيت، وكان في بداية سنته الدراسية الثالثة حين اعتقاله، ليُحرم من حقه في إكمال تعليمه.
وفي سجن عوفر أيضًا يقبع شقيقه الآخر، في وجع ثالث يلاحق العائلة، وهو الأسير محمد منتصر سلامة (19 عامًا)، الذي اعتقله الاحتلال خلال شهر كانون الأول/ديسمبر من العام 2025، ولا يزال موقوفًا يواجه محاكمات مفتوحة حتى اليوم. وكشقيقه، حُرم من حقه في استكمال دراسته الجامعية، حيث كان طالبًا في سنته الدراسية الثانية، يواصل حلمه في دراسة علم الحاسوب في الجامعة الأمريكية.
تشكل عائلة منتصر سلامة نموذجًا لعائلات قرية ترمسعيا التي يلاحق الاحتلال أبناءها وأراضيها بالمصادرة والاستيطان. فالقرية تفقد تسعة من أبنائها داخل سجون الاحتلال، خمسة منهم معتقلون إداريًا، وأسير واحد يقضي حكمًا بالمؤبد وهو الأسير منتصر شلبي (49 عامًا)، وثلاثة آخرون لا يزالون قيد المحاكمة وإجراءات قانونية مفتوحة بلا سقف أو وضوح.
وتعاني عائلاتهم، كغيرها من عائلات الأسرى، من تجهيل شبه كامل حول أوضاع أبنائها وحرمانها من حق الزيارة، في وقت يواجه فيه الأسرى واحدة من أسوأ مراحل الاعتقال في تاريخ الحركة الأسيرة.




