تقارير وحوارات

رحل الجبل علي.. روحه سبقته للحرية

ارتقى علي وتحررت روحه من سجون الاحتلال، استعجل اللقاء مع الله ليكون شهيد السجن والمرض والإهمال الطبي!

مهلاً.. قصة علي لم تبدأ من لحظة ارتقائه.. بل تمتد إلى ما قبل 62 عامًا هي سني عمره التي قضاها في ربوع مسقط رأسه قطاع غزة، وعاش جزءًا منها في بدايات أهوال حرب الإبادة على القطاع، إلى أن اعتقلته قوات الاحتلال في أواخر عام 2023، ليعاصر أصعب فترة تمر على تاريخ الحركة الأسيرة بشهادة أسرى أمضوا عقودًا في الأسر!

علي عاشور علي البطش، اعتقلته قوات الاحتلال في 25/12/2023، واستقر به المقام في سجن النقب، فحسب المراسلات الرسمية التي كانت تجري بين مؤسسات الأسرى وإدارة سجون الاحتلال، وصل خبر إلى عائلته أنه يقبع في سجن النقب في نهايات سبتمبر 2024، وهنا تنفست عائلته الصعداء أن منّ الله عليهم بالاطمئنان عليه، والأخبار الواردة كلها من داخل السجون تقشعر لها الأبدان.

نعود إلى علي، كيف كان في سجنه؟ هل استغل كبر سنه ليتخذ ركنًا ويهدأ ولا يحدث أي ضجيج، أم استثمر خبرته في الحياة ليكون بلسمًا شافيًا لرفاقه في الأسر؟

علي.. استثمر عصارة خبرته في الحياة، واتخذ من نفسه مصلحًا اجتماعيًا بين الأسرى، لا يترك متخاصمين إلا وصالحهما، وترك محبته بين كل قلوب الأسرى، إن لمس نقصًا في الطعام المقدم للأسرى، اقتطع من طعامه القليل، وقدمه للشباب.

كان جبلاً صامدًا في الأسر.. يقصده الجميع ليحل لهم ما يمرون به من ضيق ومشكلات، غير أن هذا الحال لم يستمر، فإدارة السجن لم يعجبها أن يجتمع حوله الجميع، وينصتون له، فمن هو حتى يفرض النظام في المكان، فتعمدت قمع الغرف لينال حصته من الضرب والتنكيل والتعذيب.

بعد القمع تعب علي، لم يعرف ما به لكنه توقع أنها لربما جلطة في قدمه، وخشي أن تتحرك من مكانها وتؤثر عليه، فاستكان وقلل من حركته قدر المستطاع، ولم يحرك الاحتلال ساكنًا ليوفر له دواء سيولة الدم، وتركت الجلطة تستفحل في جسده بصمت قاسٍ.

مع كل هذا التعب، لم يستسلم علي للمرض، بل بقي ثابتًا على نهجه، كان يمارس التمارين الرياضية على قدر استطاعته، واستمر بحل الخلافات والإصلاح بين الشباب في الأسر، ما زاد من حقد إدارة سجون الاحتلال عليه، فسعت لنقله المتكرر من قسم إلى قسم، ومن غرفة إلى غرفة، وفي كل مكان كان يستقر به علي، كان ثابتًا رياضيًا مصلحًا وأبًا للجميع.

إلى أن قرر المرض وأخيرًا أن يعلن سطوته في القضية، ولم يعد علي قادرًا على مقاومته أكثر من ذلك، ومع استمرار الإهمال الطبي المتعمد من إدارة سجون الاحتلال.. بدأ الفصل الأخير في حياة علي!

الفصل الأخير كانت بدايته المقررة تختلف عما انتهى عليه الحال.. فـ علي تم تبليغه من إدارة سجون الاحتلال أن اسمه أدرج ضمن الأسرى المحررين في صفقة طوفان الأحرار، كان ضمن أسرى غزة الذين اعتقلوا بعد حرب الإبادة على قطاع غزة، ووافق الاحتلال على تضمين اسمه في كشف الأسرى المفرج عنهم.

كان علي سيتحرر في الدفعة الأخيرة من طوفان الأحرار الثانية، الدفعة التي كانت ستحرر في الـ 22 من فبراير 2025، وتأجلت بتعنت متعمد من سلطات الاحتلال الإسرائيلي حتى الـ 27 من فبراير 2025، كان وكان وكان، والذي صار غير الذي كان!

فـ علي.. نقلته إدارة سجون الاحتلال إلى مستشفى سوروكا، وارتقى بعد أيام على نقله، ارتقى علي في الـ 21 من فبراير 2025، أي قبل يوم واحد فقط من اليوم الموعود قبل التأجيل، وقبل أسبوع من الموعد الحقيقي!

لم تنته قصة علي هنا! فهو وإن ارتقى في الـ 21 من فبراير 2025 إلا أن الاحتلال لم يعلن ارتقائه، ولم يبلغ عن استشهاده إلا بعد أسبوعين كاملين في الـ 6 من مارس 2025، ليحمل الرقم 62 في عداد شهداء ما بعد حرب الإبادة وهو ذاته عدد سنوات عمره في هذه الحياة!

ورحل الجبل!

لقراءة القصة في سلسلة “الأسرى كومكس”:

الحلقة الأولى: علي الذي سبقته روحه إلى الحرية

الحلقة الثانية: علي.. رحيل الجبل

لعرض الفيديو الخاص بالقصة: علي الذي سبقته روحه إلى الحرية

زر الذهاب إلى الأعلى