تقارير وحوارات

عائلة عبد السلام عواد بين تعافي الابن واستمرار اعتقال الأب

حين سار الشاب مصعب عبد السلام عواد (24 عامًا) قبل سنوات في طريق مسيرته التعليمية الجامعية، لم يكن ليعلم أن الزمن الدراسي في حياته سيمتد على نحوٍ مختلف؛ سبعة أشهر في الزنزانة، وسبع سنوات في طريق الدراسة، وعمرًا كاملًا في البحث عن علاجٍ لما بعد الاعتقال، وغربةً عن البلاد والأهل والأحباب.
التفاصيل لا تبدو ثقيلة إلا على أصحاب الألم والابتلاء. فجرح الانتظار الذي شُفي خارج المعتقل بالنسبة للابن واستقر، لا يزال حاضرًا على الطرف الآخر لوالده الأسير، إذ ينزف الابن اليوم ذكرياته نيابةً عن والده الأسير الإداري الصحفي عبد السلام محمد عواد (55 عامًا)، من سكان بلدة عورتا جنوب مدينة نابلس.
بدأت حكاية الشاب المحرر مصعب عواد مع الاعتقال في تموز/يوليو عام 2020، وانتهت بحريته مطلع عام 2021 بعد سبعة أشهر من الاعتقال. لكن القصة الحقيقية تكمن داخل تلك الفترة، حيث تعرض خلال التحقيق لحادثة غيّرت معالم حياته لاحقًا، بعدما قامت إدارة السجن، بالشراكة مع أطباء في مركز التحقيق، بضخ غاز داخل زنزانته، ما اضطره إلى استنشاقه قسرًا، فأصيب بالإعياء وبدأ جسده يفقد قوته تدريجيًا.
لاحقًا، أُجبر مصعب على تناول ثلاثة أنواع من الأدوية لمدة تسعة أيام، وبعد ذلك بدأ الألم يغزو جسده، فيما رفضت إدارة السجن تقديم العلاج له. وبعد سبعة أشهر نال حريته، لتنتهي قصته داخل الزنازين، وتبدأ قصة أخرى داخل المستشفيات.
فور تحرره، توجه لإجراء الفحوصات الطبية، ليتبين إصابته بورم سرطاني نشأ داخل السجن وتفاقم نتيجة الإهمال الطبي.
خاض مصعب حربًا أخرى داخل الحرية؛ إذ تعرقل علاجه داخل الضفة، ومُنع من دخول المستشفيات في الأراضي المحتلة، ما اضطره لاحقًا للسفر إلى الأردن، حيث كان الورم قد استفحل في قدمه، الأمر الذي دفع الأطباء لاتخاذ قرار بترها حفاظًا على بقية جسده.
استمر علاج مصعب عامين كاملين، عامين في مقابل سبعة أشهر فقط من الاعتقال. بدأت رحلة العلاج بعملية البتر، تلتها قرابة عشرين جلسة علاج كيماوي. واليوم يوصف وضعه الصحي بالمستقر.
ومنذ أيام، كُتب له أن يحتفل بتخرجه في تخصص اللغة العبرية والصحافة والإعلام بعد سبع سنوات من الألم والغربة والعلاج. وأهدى نجاحه إلى والدته، رفيقة رحلة علاجه وأحلامه، وإلى والده المعتقل الداعم له رغم الغياب، مؤكدًا أنه وإن غاب بجسده، فإنه حاضر بينهم بروحه.
أما الأسير عبد السلام عواد، فتمثل قصته فصلًا آخر من الألم المستمر داخل العائلة. فهو أستاذ لمادة التربية الإسلامية، أمضى 25 عامًا في سلك التعليم، وصحفي يحمل درجة الماجستير في شؤون القدس والاستيطان، ومحاضر درامي ومدرب.
يُضاف إلى هذه المسميات مسمى آخر: أسير بملف اعتقالات متجددة منذ سنوات. إذ يدخل عامه السادس في الاعتقالات المتفرقة، منذ اعتقاله بتاريخ 26/11/2024، حيث أصبح محتجزًا ضمن ملف سري للاعتقال الإداري المتجدد. وقد جرى تمديد اعتقاله الإداري ثلاث مرات حتى اليوم، ليصبح الاعتقال الإداري بلا سقف زمني بعد حرب السابع من أكتوبر، وفي ظل استمرار حالة الطوارئ داخل السجون. وتصل أخباره لعائلته عبر أسرى محررين منذ اعتقاله.
يتواجد الأسير عبد السلام عواد اليوم في سجن ريمون. ونتيجة حرب التجويع المعلنة ضد الأسرى، فقد 15 كغم من وزنه، ليصل إلى 50 كغم فقط. إضافة إلى الهزال، يعاني من حساسية في الجلد والوجه دون توفر العلاج، نتيجة إصابته بالأكزيما بسبب ظروف الزنازين، والرطوبة، وغياب تعرض الأسرى للشمس والهواء النقي.
وأفاد أحد الأسرى المحررين لعائلة عبد السلام أن الحساسية بدأت على شكل حبوب، لكنها تحولت لاحقًا إلى أكزيما وانتشرت بشكل واسع، وهي إصابة لحقت به بعد الاعتقال. كما أشار إلى أنه في سجن ريمون تم تسليم الأسرى جاكيتًا واحدًا فقط، وتم مؤخرًا إغلاق شبابيك الغرف عليهم.
الأسير عبد السلام عواد ليس رقمًا أو اسمًا مجردًا من التفاصيل، بل صاحب تجربة طويلة في العمل الوطني والثقافي. ومن أبرز أعماله المسلسل الفلسطيني “أولاد المختار”، الذي حاكى تجربة مسلسل “التغريبة الفلسطينية” وتناول النكبة والنكسة. كما شارك في فيلم “غزال”، الذي يوضح معاناة الأسرى في سجون الاحتلال، ويجسد مشاعر الأسير الفلسطيني المحكوم بالمؤبد الذي سُلب اسمه من صفقات الحرية.
ومنذ سنوات يعيش الأسير الصحفي عبد السلام عواد في صراع مستمر مع الاعتقالات. وقف خلف حرية ابنه وعلاجه، وناشد كثيرًا لنقل صورة ما تعرض له ابنه داخل سجون الاحتلال. واليوم يكتب له الاعتقال الإداري بلا سقف زمني، ويغيب عن فرحة تخرج نجله بعد كل هذا الجهد والابتلاء.
أما ابنه مصعب، وبينما يبدأ طريق أحلامه، لا ينسى أن ينظر إلى صورة والده التي يحملها، ليشاركه فرحته، ويهديه نجاحه بعد انتظار طال كثيرًا.

زر الذهاب إلى الأعلى