تقارير وحوارات

بلال.. نام شتاءً وارتقى شهيدًا

ذات حبس!! جلس بلال على حافة “البرش” ارتسمت ابتسامة واسعة على محياه، وهو يرحب بزوجته، والتفت لرفاقه في الأسر؛ يخبرهم أن أم محمد هنا وأنها ضيفتهم اليوم!

صمت الأسرى صمتًا موجعًا وهم يحدقون في الفراغ الذي أشار إليه، هل فقد بلال عقله؟ انتقلت مشاعرهم إلى ملامحهم، فاستغرب ردة فعلهم، والتفت إلى حيث زوجته يطيّب خاطرها وألا تهتم لهم، لم يجدها! جنّ جنونه، وأخذ يصرخ وينادي: “أم محمد وين؟، وين راحت؟”!

هزّه أسير، عله يستيقظ من حلم اليقظة: “بلال أم محمد من الأصل مش هان، احنا في السجن يا راجل”، عاد بلال إلى الواقع القاتل، ودفن رأسه بين ذراعيه، وترك دموعه تنهمر، وهو يردد: “كانت هنا، كانت جنبي، والله شفتها، قعدت تهوّن عليا الحبس، والله شفتهااااااااااا”.

بلال.. روحه معلقة خارج السجن، معلقة بزوجته أم محمد، وابنة أخيه التي تربت في كنفه ويعدها فلذة كبده، افترق عنهما جسدًا في بدايات حرب الإبادة على قطاع غزة، وبقيت روحه معهما، ويذكر جيدًا كيف تهدم منزل العائلة، وتلحفوا جميعًا السماء مفترشين الأرض آنذاك!

ذات نزوح، افترق عنهما، واعتقلته قوات الاحتلال، ألقي به في السجن!، وغدت زوجته وفلذة كبده، نازحتين دون معيل! تهيمان سويًا في قطاع غزة، وهو حبيس الأسر لا يملك لهما نفعًا، فزاده عجزه وجعًا وأرهق قلبه!

كل هذا العجز جعله يرى طيف زوجته بين حين وآخر، تزوره وتطمئن عليه، وتخبره أنها بخير، وتحدثه عن أخبارها، وكلما زارته أخبر رفاقه في الأسر، أنها هنا ليرحبوا بها، ولم يقتنع أبدًا أنها مجرد طيف، فهي هنا بشحمها ولحمها تطالبه بمزيد من الصبر!

طيف أم محمد موجود بصحبته طيلة الوقت، يحدثها في كل وقت وحين، يصحو على اسمها، وينام على صورتها، وهو لا يعلم حقيقة ما آل إليه حالها!

مرّ الوقت ثقيلاً جدًا عليه في أسره، حتى أتم عامه الأول في سجون الاحتلال، دون بارقة أمل واحدة أنه سيرى الشمس دون أسلاك شائكة، ويتنفس أنفاس الحرية بعد وجع الأسر، ولم يلح له في الأفق أن اللقاء قريب بحبيبته أم محمد في هذه الدنيا!!

هنا في هذه اللحظة خارت كل قواه، وأغمض جفنيه، وترك دموعه تنساب على وجنتيه، في ليلة من ليالي الشتاء القارس، نام بلال، ولم يستيقظ!

استسلم للوجع، ولم يعد قادرًا على الصمود أكثر، حمل بداخله قلقه على زوجته ورحل!

ذات عدد! استيقظ الأسرى، ووقفوا كلهم في طابور العدد، بدأ السجان المهمة الصباحية المعتادة له، أن ينادي عليهم ويسجل أرقامًا!!

لم يستيقظ بلال، لم يقف في طابور العدد، نادى السجان عليه، وطالبه بالوقوف في طابور العدد، تفقده الأسرى، وأخبروا السجان أنه لا يستجيب!!

لم يحرك السجان ساكنًا، شطب اسمه فقط من السجلات وبقي جثمانه مسجيًا على الأرض عدة ساعات، حتى بعد انتهاء فقرة العدد، بعدها حمله السجانون إلى المجهول، إلى حيث لا يدري أحد أين تذهب جثامين الشهداء الأسرى، وبقي سؤال بسيط يدور في عقل الأسرى: هل كان يمكن إنقاذه؟!

بلال ارتقى شهيدًا في سجون الاحتلال، ارتقى وهو لا يعلم أن زوجته ارتقت شهيدة قبله، ولربما كان طيفها الزائر له مواساة إلى أن يجتمع الحبيبان بعد الشهادة!

ارتقى بلال في ليلة شتاء باردة قارسة جدًا، غير أن من تبقى من أفراد عائلته، لم يصلهم الخبر!

بقيت لديهم ذرة أمل أن يتحرر ويلتقي بهم، حاولوا جاهدين أن يعرفوا عنه طرف معلومة!!

إلى أن حلّ فصل الصيف، عندها قرر الاحتلال أن يفرج عن خبر ارتقائه!!

ذات صيف، وصل الخبر إلى عائلته.. بلال ارتقى في الشتاء الماضي!!

بلال الرقم المشطوب من عدد طابور الأسرى، أصبح رقمًا جديدًا في سجل شهداء الحركة الأسيرة!

ارتقى بلال.. وقلبه معلق بزوجته أم محمد، يبكي عجزه عن لقاء يجمعهما في الدنيا!!

فيا ترى كيف كان اللقاء بعد استشهادهما؟!

لقراءة القصة في سلسلة “الأسرى كومكس”:

الحلقة الأولى: بلال.. الرحيل الصامت!

الحلقة الثانية: بلال.. رقم مشطوب!

لعرض الفيديو الخاص بالقصة: بلال.. حين يموت الأسير مرتين!

زر الذهاب إلى الأعلى