الأسير إسلام أبو حميد… المؤبد الأخير في عائلةٍ كتبت اسمها بدمها

تتقلّد عائلة أبو حميد وسام التضحية والفداء، كإحدى أبرز العائلات الفلسطينية التي اختارت لأبنائها طريق الكرامة، ونأت بهم عن مغريات الحياة. فقد أنجبت العائلة سبعة أبناء سار كل واحد منهم في حصةٍ مختلفة من الحياة، لكنهم جميعًا التقوا على درب الحرية والنضال من أجل الوطن.
قدّمت العائلة اثنين من أبنائها شهداء، فيما حُكم على خمسة منهم بالسجن المؤبد، نال ثلاثة منهم حريتهم لاحقًا مع الإبعاد خارج حدود الوطن، بينما ارتقى الثالث شهيدًا خلف قضبان الاعتقال، ولا يزال المؤبد الخامس قيد الأسر، في حين تعرّض ابنان آخران سابقًا لاعتقالات إدارية ومتفاوتة.
الحاج محمد أبو حميد وزوجته لطيفة أبو حميد، الملقبة بـ”خنساء فلسطين”، قدّما أبناءهما على صفحاتٍ بيضاء من التضحية. وفي عام 2014 توفي الحاج محمد، تاركًا زوجته تواصل رسالة الصبر والانتظار، وتقف سندًا لأبنائها. وخلال الانتفاضة الثانية، كان الأبناء السبعة جميعهم في سجون الاحتلال.
اليوم، خرج عدد من أبناء العائلة إلى الحرية؛ اثنان نالا حرية الشهادة، وثلاثة أُبعدوا خارج حدود فلسطين، وبقي الأسير الأخير في العائلة، إسلام محمد ناجي أبو حميد (40 عامًا)، من سكان مخيم الأمعري قضاء رام الله، يواجه حكمًا بالسجن المؤبد، وحرب تجويع، وعزلة زمانية ومكانية داخل سجون الاحتلال.
يعرض مكتب إعلام الأسرى قصة الأسير إسلام أبو حميد، وآخر ما توفّر من معلومات لدى عائلته، في ظل انعدام زيارات الأهالي، واستمرار حالة الطوارئ، وفرض عزل كامل على الأسرى عمّا يجري لعائلاتهم وبلادهم، في وقت تحوّلت فيه سجون الاحتلال إلى ساحات للتنكيل والقمع والتجويع، وسط ممارسات لا إنسانية، وتلويح الاحتلال بشرعنة قانون الإعدام بحق أسرى المؤبدات.
أوضاع نفسية صعبة
تؤكد عائلة الأسير إسلام أبو حميد لمكتب إعلام الأسرى أنه يتواجد حاليًا في سجن ريمون، ومنذ بداية حرب السابع من أكتوبر يعيش حالة من العزلة التامة نتيجة انقطاع الأخبار وغياب زيارات الأهالي. وتقول العائلة:
“منذ اندلاع الحرب لم يزره محامٍ سوى مرة واحدة فقط خلال خمسة أشهر، ووصلتنا مؤخرًا رسالة تفيد بأن وضعه النفسي صعب، ويشعر بأنه معزول عن العالم بأسره”.
وتضيف العائلة:
“إسلام يستجدي الأخبار، ويطلب زيارة محامٍ، لكن الأمر ليس بهذه السهولة، خاصة في سجن ريمون، حيث يتطلب تنسيق زيارة محامٍ أحيانًا أكثر من ستة أشهر. كان وضعه الصحي قبل الاعتقال ممتازًا، أما اليوم فيعيش كما يعيش باقي الأسرى”.
ونتيجة صعوبة تنسيق الزيارات، لا تعرف العائلة بدقة حجم التدهور الصحي الذي طرأ عليه، ولا مقدار ما فقده من وزنه، لكنها تعلم أنه يعاني، كغيره من الأسرى في سجن ريمون، من حرب تجويع، وتقليص ساعات الفورة، وحرمان من الملابس الدافئة، واستهدافٍ ممنهج لإنسانية الأسير.
إسلام أبو حميد… قصة الاعتقال
اختار الأسير إسلام أبو حميد ذات درب النضال الذي سلكه أشقاؤه. ففي أيار/مايو 2017 اقتحمت قوات الاحتلال مخيم الأمعري، وفي 6/6/2018 اعتقل الاحتلال إسلام، ووجّه له تهمة قتل جندي خلال ذلك الاقتحام. وبناءً على هذه التهمة، نُقل إلى مركز تحقيق المسكوبية، حيث استمر توقيفه نحو عام كامل.
وفي 22/7/2019 أصدرت محكمة عوفر العسكرية حكمًا جائرًا بحقه، يقضي بسجنه مدى الحياة، وفرض غرامة مالية قدرها 285 ألف شيقل، كتعويض لعائلة الجندي القتيل. وخلال سنوات اعتقاله تنقّل بين أربعة سجون، كان آخرها سجن ريمون. وهو حاصل على شهادة الثانوية العامة، وسبق أن اعتُقل خلال انتفاضة الأقصى، حيث أمضى آنذاك خمس سنوات في الأسر.
أشقاء مبعدون
رفض الاحتلال الإفراج عن الأسير إسلام أبو حميد ضمن صفقة “طوفان الأحرار” الأخيرة، في حين نال ثلاثة من أشقائه حريتهم خلال الدفعة الثانية من الصفقة، وهم: نصر، وشريف، ومحمد أبو حميد، بعد سنوات طويلة من الاعتقال وأحكام مؤبدة.
ووصفت العائلة الإفراج عنهم حينها بأنه “إنقاذ لأرواحهم”، إذ خرجوا بأوزان منخفضة جدًا، وكان شريف الأضعف بينهم بعد أن فقد نحو 30 كيلوغرامًا من وزنه. وبقي إسلام خارج جميع الصفقات، ينتظر خلاصه الأخير من سجون الاحتلال.
وأبعد الاحتلال الأسير نصر أبو حميد (51 عامًا) خارج أرض الوطن، وهو معتقل منذ عام 2002، وصادر بحقه حكم بالسجن المؤبد خمس مرات. كما أبعد شقيقه شريف أبو حميد (49 عامًا)، المعتقل منذ عام 2002، والمحكوم بالمؤبد أربع مرات، وكان قد أمضى سابقًا تسع سنوات في الاعتقال. كذلك أبعد الاحتلال شقيقهم الثالث محمد أبو حميد (42 عامًا)، المعتقل منذ عام 2002، والمحكوم بالمؤبد مرتين إضافة إلى 30 عامًا.
شهداء العائلة
إلى جانب الأسرى والمبعدين، قدّمت عائلة أبو حميد شهيدين من أبنائها. ففي عام 1994 استشهد نجلهم عبد المنعم أبو حميد في عملية اغتيال خلال شهر أيار، عقب مقتل أحد ضباط أمن الاحتلال.
كما استشهد الأسير ناصر أبو حميد عام 2022 داخل سجون الاحتلال، بعد 33 عامًا من الاعتقال، نتيجة إصابته بسرطان الرئة وتدهور حالته الصحية. ولا يزال الاحتلال يرفض تسليم جثمانه حتى اليوم. وكان الشهيد ناصر محكومًا بالسجن المؤبد سبع مرات، إضافة إلى 50 عامًا أخرى.
انتهاكات مضاعفة
لم تسلم عائلة أبو حميد، على مدار أكثر من 30 عامًا، من المداهمات والتنكيل، إذ هُدم منزلهم أعوام 1994 و2003 و2018. كما حُرمت العائلة من السفر إلى الخارج بعد الإفراج عن أبنائها نصر وشريف ومحمد، حيث واصل الاحتلال ملاحقة فرحتهم حتى اللحظات الأخيرة.
اليوم، يبقى الأسير إسلام أبو حميد الجرح الأخير في خاصرة العائلة، ينتظرون حريته، ويترقبون أي خبر عنه، في ظل انعدام المعلومات واستمرار حالة الطوارئ داخل السجون. وتقف عائلة أبو حميد، كغيرها من عائلات الأسرى، داخل بيوت يملؤها القلق والألم، ويحدوها الأمل بأن الحرية لا بد أن تكون قريبة




