تقارير وحوارات

قناص عيون الحرمية : الأسير ثائر حماد بين المؤبد والوجع

يولدُ بعضُ الناس ثوّارًا، وتنساب البلاد في عروقهم كما الدماء؛ تُجبَل جلودهم وأجسادهم بترابها، وتنشأ ذاكرتهم بين أشجارها وبساتينها. تفرض عليهم الجغرافيا التي لا تطأطئ رأسها للاحتلال أن يسلكوا دروب المناضلين المدافعين عن حقّ البلاد في الحياة والحرية، فيعيشون حكايات المجاهدين السابقين، وتثور دماؤهم رغبةً في الثأر لمن مضوا على ذات الطريق طريق الكرامة.
والأرض تحفظ جيدًا من أحبّها؛ من داس فوقها قاصدًا ببندقيته حرية بلاده، تُكرمه بأن تُذكّر أبناء جلدته بأنه مرّ من هنا يومًا، وأذاق الاحتلال الويلات.
لا يمكن أن تمرّ قاصدًا طريق عيون الحرامية دون أن تستحضر قصته، وتستنشق عبير بندقيته التي جابت بين الأشجار والأرض الوعرة هناك، وتشعر بطيفه يترصّد الفرصة المناسبة ليحصد ثمار نضاله.
إنه الأسير ثائر كايد قدورة حماد (45 عامًا)، من بلدة سلواد قضاء رام الله، الذي سطّر ببندقية عتيقة اشتراها بماله الخاص ثورةً منفردة، ليصبح اسمًا لا يغيب عن ذاكرة كل مناضل حر.
يواصل مكتب إعلام الأسرى عرض قصص الأسرى المحكومين بالمؤبد، والذين بلغ عددهم مع مطلع عام 2026 نحو 116 أسيرًا مؤبدًا، يعانون في ظل استمرار حالة الطوارئ داخل السجون من انعدام زيارات الأهالي، وإهمال طبي متعمّد، وحرب تجويع تستهدف الأجساد والعقول، وعزل زماني ومكاني، وحرمان من حقّ النظافة والمستلزمات الشخصية، وشحّ في الملابس الشتوية والأغطية، إلى جانب القمع الممنهج، في ظل غياب شبه كامل للمساءلة القانونية والحقوقية من قبل المؤسسات الدولية.
يتناول هذا التقرير قصة الفدائي المعروف ثائر حماد، أحد 18 أسيرًا مؤبدًا من محافظة رام الله، والذين استُثنيت أسماؤهم من جميع صفقات المقاومة، نظرًا لما شكّلته عمليته من تحوّل نوعي في حينه. واليوم، يواجه ثائر وحده، وفي معزلٍ عن العالم، سلسلة من الآلام والأمراض، ويُحرم من حقه في العلاج، في وقت لم تصل فيه أخباره إلى عائلته منذ حرب السابع من أكتوبر، ولم يُسمح لأي محامٍ بزيارته، ما أدخل عائلته في حالة قلق دائم على مصيره الصحي والإنساني.
رسالة العائلة
تؤكد والدة الأسير ثائر حماد، في حديثها لمكتب إعلام الأسرى، أن نجلها يتواجد حاليًا في سجن نفحة، ويعاني من عدة أمراض في ظل غياب حق العلاج، مؤكدة أن أسيرًا بحجم ثائر حماد، وأيقونة نضالية مثله، يحتاج إلى وقفة جدية من المؤسسات الحقوقية والدولية.
وتقول والدته: “يعاني ثائر من آلام شديدة في ظهره وعيونه، فلديه ثلاثة ديسكات في الظهر، ولم يُقدَّم له أي علاج، وهذا كل ما نعرفه عن وضعه الصحي حتى الآن، ونطالب بتدخل عاجل لتقديم العلاج له.”
وتشير إلى أنه منذ حرب السابع من أكتوبر لا تعرف العائلة أي شيء عن أخباره، إذ لم يُسمح لأي محامٍ بزيارته في ظل حالة الطوارئ وقيود الزيارات المفروضة، ومع انقطاع زيارة الأهالي تعيش والدته حالة قلق دائم، خاصة بعد أن علمت من أسرى محررين أنه فقد كثيرًا من وزنه، وبات غير قادر على أداء أعماله اليومية دون مساعدة.
ثائر… ابن الـ11 ربيعًا
نشأ ثائر في بلدة سلواد، الثائرة بطبعها، واستيقظ وعيه الوطني في طفولته المبكرة على استشهاد عمّه نبيل قدورة بعد أن أعدمه الاحتلال بثلاث رصاصات، حين كان ثائر في الحادية عشرة من عمره. شكّلت هذه الحادثة نقطة تحوّل في وعيه النضالي، ورسّخت لديه قناعة مبكرة بعدالة قضيته وضرورة الانخراط في الدفاع عن بلاده، دون أن يشكّل صغر سنّه عائقًا أمام تلك المبادئ.
في تاريخ 3/3/2002، امتشق الأسير المناضل ثائر حماد بندقيته، وتوجّه نحو منطقة وادي عيون الحرامية القريبة من بلدته، حيث تمكّن بعد رصد ومتابعة من قنص 11 جنديًا من قوات الاحتلال وإصابة آخرين. ولولا تعطل بندقيته بعد انفجار رصاصة فيها، لاستمر في تنفيذ عمليته النوعية التي تغنّت بها قرى رام الله ومدن الضفة الغربية آنذاك.
استمرت حملة البحث عن “قنّاص عيون الحرامية”، واعتُقل خلالها عدد كبير من شبان بلدة سلواد، من بينهم ثائر حماد، قبل أن يُفرج عنهم لاحقًا لعدم توفر أدلة. ونجح ثائر في التخفي قرابة عامين ونصف، ظل خلالها الاحتلال يجهل هويته الحقيقية.
ما بعد الاعتقال
في تاريخ 3/10/2004، اقتحمت قوات الاحتلال منزل عائلة الأسير ثائر حماد واعتقلته، وبعد تحقيق قاسٍ استمر أكثر من 70 يومًا، تبيّن تطابق بصماته مع بصمات على بندقية قنّاص عيون الحرامية، ليُحال إلى المحاكمة، وتُؤجَّل جلسات النطق بالحكم لفترة طويلة، قبل أن تصدر بحقه عقوبة السجن المؤبد المكرر 11 مرة.
خلال سنوات اعتقاله، تعرّض ثائر لجملة من الانتهاكات، من العزل والتنقيل التعسفي وحرمان الزيارات، لكنه واجه ذلك بإرادة صلبة، فأنهى الثانوية العامة، ثم حصل على درجة البكالوريوس في الخدمة الاجتماعية.
واليوم، وفي ظل استمرار حالة الطوارئ، يعيش الأسير ثائر حماد واحدة من أسوأ المراحل، مع إلغاء أبسط مقومات الحياة الإنسانية داخل السجون.
كل ما تأمله عائلة الأسير ثائر حماد اليوم هو وقفة جادة للمطالبة بعلاجه، ومعرفة وضعه الصحي الحقيقي، فبعد فرض العزل الزماني والمكاني على الأسرى، حُرم قلب والدته الطمأنينة، وباتت تترقب، كما باقي أمهات الأسرى الصابرات، أي خبر عنه عبر أسرى محررين من ذات القسم.

زر الذهاب إلى الأعلى