تقارير وحوارات

حين تُورَّث الحرية: عاصم البرغوثي… أسيرٌ من بيتٍ لا يعرف الانكسار

بعضُ العائلات تورّث أبناءها حياةً دنيوية من مظاهر وزينة، فيما تورّث أخرى طريق النضال وحبّ البلاد وحسن التربية؛ تعلّمهم منذ الصغر أن التراب لا يُستردّ إلا بالدماء والتضحيات، وأن الأوطان لا تعود بالأحاديث والوعيد، بل تسلك دروبًا رسمها أصحابها بثورتهم في وجه احتلالٍ سلبهم حقّ الحياة والحرية، بأجسادهم ومبادئهم وأعمارهم.
حين سار الأسير عاصم عمر صالح البرغوثي (39 عامًا)، من بلدة كوبر قضاء رام الله، صوب تنفيذ عمليته رفقة شقيقه الشهيد صالح البرغوثي، كان يعلم أن نهاية الطريق إمّا الشهادة أو الاعتقال، غير أن ذلك لم يُضعف من عزيمته ولا من ثورته. وحتى اليوم، ما تزال والدة الأسير عاصم تتلقّى اتصالاتٍ من أسرى محررين يهنئونها بحسن تربيتها، ويزيدون من فخرها بفلذة كبدها، مؤكدين أنه كان ولا يزال داعمًا لأبناء قسمه في سجون الاحتلال، يرفع معنوياتهم، ويحظى بمحبة الجميع واحترامهم.
تحدّث مكتب إعلام الأسرى إلى عائلة الأسير عاصم البرغوثي للوقوف على آخر أخباره الصحية والاعتقالية، لا سيما بعد حرب الإبادة على قطاع غزة، وبوصفه أحد الأسرى المحكومين بالمؤبد. كما سعى المكتب لمعرفة تفاصيل عزله الأخير وحرمانه من زيارة المحامين، في ظل استمرار حالة الطوارئ في سجون الاحتلال، وتنقّلاته المتكررة بين السجون، الأمر الذي يجعل من تعقّب المحامين له مهمة شاقة، ويترك قلب والدته معلّقًا بفراغ الشوق والخوف على مصيره.
عزلٌ بعد انتهاء الحرب
تؤكد عائلة الأسير عاصم البرغوثي أن الاحتلال نقله إلى عزل سجن مجدو بعد انتهاء حرب الإبادة على قطاع غزة، حيث يقبع هناك منذ قرابة شهرين، بعد أن كان معتقلًا في سجن جلبوع. وتقول العائلة:
“خرج أسير محرر من القسم الذي كان يتواجد فيه وأبلغنا أن عاصم بحاجة ماسّة إلى زيارة محامٍ، لكن بسبب تنقّلاته الكثيرة بين السجون باتت زيارة المحامين له بالغة الصعوبة؛ ففي إحدى المرات وصل محامي الزيارة إلى السجن ليُفاجأ بنقله إلى سجن آخر، وفي مرة أخرى حُرم من الزيارة بسبب حالة الطوارئ. ومنذ اندلاع الحرب تبذل العائلة جهدها لإيصال محامٍ للاطمئنان عليه ومعرفة أخباره.”
وتشير العائلة إلى أن عزل الأسير البرغوثي لم يكن خلال فترة حرب السابع من أكتوبر، بل جاء بعد انتهائها، وهو ما يزيد من قلقها. وخلال فترة الحرب وحدها، تنقّل الأسير بين أربعة سجون: ريمون، نفحة، جلبوع، وصولًا إلى عزل مجدو.
ورغم تأكيد الأسرى المحررين الذين التقوا به أنه يتمتع بشخصية قوية ومعنويات عالية، ويشكّل دعامة أساسية لزملائه في الحركة الأسيرة، إلا أن قلب والدته لا يفارقه القلق، في ظل الأوضاع الكارثية التي تعيشها السجون بعد حرب الإبادة، من تجويع وقمع ممنهج، وإهمال طبي، وحرمان من الزيارات، وتلويح بقوانين خطيرة، من بينها ما يُعرف بقانون إعدام الأسرى.
بيتٌ مجاهد
نشأ الأسير عاصم البرغوثي في بيئة مجاهدة مضحية؛ أنهى دراسته الثانوية، وحصل على درجة البكالوريوس، وسار رفقة شقيقه الشهيد صالح في دروب الكرامة وطلب الشهادة. فقد شارك في عملية إطلاق نار قرب مستوطنة عوفرا شرق رام الله، قبل أسبوع واحد من اغتيال الاحتلال لشقيقه صالح، وأسفرت العملية عن إصابة عشرة من جنود الاحتلال ومستوطنيه.
وبتاريخ 13/12/2018، نفّذ الأسير عاصم عملية إطلاق نار قرب مستوطنة جفعات أساف شرق رام الله، بعد يوم واحد من اغتيال شقيقه صالح في قرية سردا شمال رام الله، انتقامًا لدمائه، وأسفرت العملية عن مقتل جنديين من قوات الاحتلال وإصابة آخرين.
نجح الأسير البرغوثي في الإفلات من ملاحقة الاحتلال وأجهزته الأمنية مدة شهر كامل، إلى أن جرى اعتقاله بتاريخ 8/1/2019 من قرية أبو شخيدم قضاء رام الله. وفي آذار/مارس 2019، هدم الاحتلال منزله في سياق سياسة الانتقام، غير أن معنوياته بقيت عالية.
وبتاريخ 24/6/2020، أصدرت محكمة الاحتلال حكمًا بالسجن المؤبد المكرر أربع مرات بحقه، وفرضت عليه غرامة مالية بقيمة 16 مليون شيقل.
سجل من الانتهاكات
تعرّضت عائلة الأسير عاصم البرغوثي لسلسلة من الانتهاكات عقب اعتقاله؛ إذ هدم الاحتلال منزل شقيقه الشهيد صالح، واعتقل والديه وإخوته. ولم يكن هذا الاعتقال الأول لعاصم، فقد أمضى سابقًا 11 عامًا في سجون الاحتلال.
وخلال فترة اعتقاله الحالية، أنهى الأسير عاصم درجة الماجستير، وكان يستعد للالتحاق ببرنامج الدكتوراه، قبل أن تُعلن حالة الطوارئ في السجون ويُحرم، إلى جانب عشرات الأسرى، من هذا الحق.
انتهاكات متواصلة بحق العائلة
تؤكد العائلة أن سياسة الانتقام لم تتوقف؛ فقبل نحو أسبوع اعتقل الاحتلال شقيقه محمد البرغوثي (24 عامًا)، وحقق مع والدته بعد احتجازها داخل المنزل وتخريبه وتكسير محتوياته، قبل نقل محمد إلى مركز تحقيق عتصيون، حيث صدر بحقه أمر اعتقال إداري.
وكان محمد قد اعتُقل سابقًا خلال الحرب، وخرج حينها بوضع صحي صعب، بعد أن أمضى في سجون الاحتلال ما مجموعه 5 سنوات.
ينحدر الأسير عاصم البرغوثي من عائلة مناضلة؛ فوالده عمر البرغوثي (أبو عاصف) توفي عام 2021 بعد أن أمضى 30 عامًا في سجون الاحتلال، وعمه المناضل نائل البرغوثي أمضى أكثر من 40 عامًا في الأسر قبل تحرره ضمن صفقة طوفان الأحرار. أما والدته، فقد قدّمت نجلها صالح شهيدًا، وما تزال تقدم الصبر والثبات.
اليوم، يُصنّف الأسير عاصم البرغوثي كأحد 116 أسيرًا محكومين بالمؤبد يرفض الاحتلال إدراج أسمائهم في صفقات التبادل، وهو واحد من 17 أسيرًا من محافظة رام الله يقبعون تحت هذا الحكم. هؤلاء ليسوا أرقامًا بلا حكايات، بل أسرى تقف خلفهم عائلات تنتظر حريتهم، وتطالب المؤسسات الحقوقية والإنسانية المحلية والدولية بوقفة جادة لحمايتهم من أوضاعٍ سجنية تقتلهم ببطء.

زر الذهاب إلى الأعلى