محافظة جنين في سجون الاحتلال :أسرى، أسيرات، أطفال وشهداء

محافظة جنين، التي طالما شكّلت خاصرة المقاومة المتقدمة في شمال الضفة الغربية، لا تختزل في الجغرافيا ولا في العناوين الساخنة فقط، وإنما أيضاً في سجل طويل من التضحيات التي كُتبت بالدم والاعتقال والحرمان، لا تقاس المواجهة بعدد الرصاصات وإنما بعدد الأعوام التي تُسلب من الأعمار خلف القضبان، وبعدد الأجساد التي أنهكها السجن، وبالأطفال الذين انتزعوا من مقاعد الدراسة إلى زنازين التحقيق.
حتى اليوم، تقف محافظة جنين في صدارة المحافظات الفلسطينية من حيث رمزية المقاومة وكثافة الاستهداف، وهي التي تناضل بما تحمله من أرقام ثقيلة: 9 أسرى محكومين بالسجن المؤبد، 5 أسيرات، 4 منهن يخضعن للاعتقال الإداري دون سقف زمني، و18 طفلًا لم تشفع لهم طفولتهم حتى نهاية شهر سبتمبر من العام 2025، إضافة إلى سجل متصاعد من شهداء الحركة الأسيرة الذين ارتقوا نتيجة التعذيب والإهمال الطبي وسياسات القتل البطيء داخل السجون ما بعد حرب السابع من أكتوبر وبلغ عددهم 9 شهداء.
هذا التقرير الصادر استنادا إلى معطيات مكتب إعلام الأسرى، يوثق واقع محافظة جنين في سجون الاحتلال، باعتبارها نموذجاً صارخاً لسياسة العقاب الجماعي، واستهداف العائلات، وتفريغ المجتمع من شبابه ونسائه وأطفاله.
جنين… تاريخ مقاومة لا ينكسر
تتربع جنين الأبية على رأس المحافظات الفلسطينية بما قدمته من رموز وأبطال، من مدنها وقراها ومخيمها الذي خرجت منه كتيبة جنين، ودوّنت اسمها في سجل الاشتباك المفتوح مع الاحتلال، من هذه الأرض خرج أبطال نفق جلبوع، الذين شاءت الأقدار أن يكون معظمهم من أبناء المحافظة، ليحوّلوا السجن ذاته إلى ساحة مواجهة ويعيدوا تعريف معنى الحرية، وفي مرج بن عامر، تغنّى الشاعر الأسير المحرر أيهم كممجي بالحرية التي انتُزعت من قلب الجدران، في واحدة من أكثر العمليات الرمزية إيلامًا لمنظومة السجون الإسرائيلية.
محافظة جنين في سجون الاحتلال: أرقام تثقل الذاكرة وتفضح الاستهداف
بلغت حالات الاعتقال من محافظة جنين خلال العام الماضي 2025 ما يزيد عن 1650 حالة اعتقال، من بينهم 85 طفلًا و16 امرأة وفتاة، في واحدة من أعلى نسب الاعتقال على مستوى محافظات الضفة الغربية، بما يعكس حجم الاستهداف الممنهج الذي تتعرض له المدينة ومخيمها وقراها.
ويقبع اليوم في سجون الاحتلال 9 أسرى من جنين محكومون بالسجن المؤبد، إلى جانب مئات الأسرى بأحكام عالية، وعشرات الأسرى الإداريين، في مشهد يؤكد أن جنين تُعاقَب جماعيًا عبر سياسة الاعتقال الواسع، وتجفيف المجتمع من شبابه وطاقاته الحية.
ولا تقف الأرقام عند حدود الاعتقال، بل تمتد إلى سجل طويل من المعاناة داخل السجون، حيث يواجه الأسرى من جنين ظروفًا قاسية من التعذيب، الإهمال الطبي، التجويع، والعزل، فيما ارتقى عدد من أبنائها شهداء داخل الزنازين، ليبقى الأسر أحد أبرز وجوه المواجهة المفتوحة بين جنين والاحتلال.
من هو أقدم أسير من محافظة جنين؟
الأسير المجاهد عبد الجبار صبري خليل الشمالي… عمرٌ سرقته الزنازين
وُلد الأسير المجاهد عبد الجبار صبري خليل الشمالي في بلدة عرابة جنوب جنين بتاريخ 25/02/1979م، وهو الأخ الأصغر في عائلة تضم خمسة إخوة وثلاث شقيقات، نشأ في بيئة وطنية مشبعة بروح المقاومة والانتماء، ومع اندلاع انتفاضة الأقصى، اختار طريق العمل السري المقاوم، مقدّمًا الجهاد ومواجهة الاحتلال على مستقبله الأكاديمي، رغم أنه كان قد أنهى سنته الجامعية الرابعة في الهندسة.
سخّر الشمالي معارفه العلمية والهندسية في خدمة العمل المقاوم، وشارك في أنشطة وفعاليات جهادية متعددة، إلى أن اعتقلته قوات الاحتلال بتاريخ 26/06/2001، قبل يومين فقط من موعد تنفيذ عملية استشهادية كان قد خطط لها مع رفاقه، وذلك بعد كشف بعض أفراد خليته.
حكمت عليه محاكم الاحتلال بالسجن 27 عامًا، بتهم الانتماء إلى سرايا القدس – الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، والمشاركة في تنفيذ عمليات مقاومة وتشكيل مجموعات شبابية استهدفت مواقع الاحتلال. وخلال عامه الأول في الأسر، أتم حفظ القرآن الكريم وتثبيته، في دلالة على تحوّل السجن إلى مساحة صمود وبناء داخلي.
في عام 2005، تلقّى الشمالي خبر وفاة والده بعد صراع مع المرض، حيث رفض الاحتلال السماح له بإلقاء نظرة الوداع الأخيرة، في واحدة من أقسى محطات الألم التي عاشها داخل السجن، إذ فقد والده وهو ما يزال في مقتبل عمره، ليُضاف الفقد إلى ثقل الأسر.
صحيًا، يعاني الأسير عبد الجبار الشمالي من إصابة حادة في الظهر (ديسك) تسببت له بآلام مزمنة أعاقت حركته لسنوات، ويحتاج إلى عملية جراحية عاجلة، إلا أن إدارة السجون تواصل المماطلة في إجرائها رغم توصيات الأطباء. كما يعاني أحيانًا من بحّة شديدة تفقده القدرة على الكلام، دون تلقي أي علاج ملائم، في سياق الإهمال الطبي المتعمد.
ويُعدّ الشمالي أحد أعضاء مجلس الشورى العام لأسرى حركة الجهاد الإسلامي، وقد شغل منصب عضو الهيئة القيادية لأسرى الجهاد مرتين متتاليتين، وتعرّض خلال سنوات اعتقاله لسلسلة من العقوبات، كان أبرزها العزل الانفرادي لمدة عام كامل، على خلفية اتهامه بمحاولة الهروب عبر حفر نفق مع مجموعة من الأسرى في سجن شطة عام 2014.
يمثل الأسير عبد الجبار الشمالي اليوم أقدم أسرى محافظة جنين، ونموذجًا حيًا للأعمار التي تُستنزف خلف القضبان، وللأسرى الذين حوّلوا السجن إلى ساحة مواجهة وصمود طويل، في معركة لم تنتهِ بعد.
خلايا المؤبدات: أحكام ثقيلة وأعمار مسلوبة
يؤكد مكتب إعلام الأسرى أن عدد الأسرى من محافظة جنين المحكومين بالسجن المؤبد يبلغ 9 أسرى، من أصل 116 أسيرًا مؤبدًا في سجون الاحتلال، فيما يواجه 8 أسرى آخرين من المحافظة خطر صدور أحكام بالسجن المؤبد بحقهم، في مؤشر يعكس حجم الاستهداف المركز الذي تتعرض له جنين وأبناؤها.
يُعدّ الأسيران جمال عبد السلام أبو الهيجا (66 عامًا) من مخيم جنين، وإسلام صالح جرار (52 عامًا) من مدينة جنين، أقدم أسرى المؤبدات في المحافظة، إذ اعتُقلا معًا بتاريخ 26 آب/أغسطس 2002 من داخل المنزل نفسه في مخيم جنين، بعد اجتياح المخيم بأشهر، ولا يزالان يقبعان في سجون الاحتلال منذ أكثر من 23 عامًا دون أن تشملهم أي من صفقات التبادل.
ويقضي الأسيران حكمًا بالسجن المؤبد المكرر تسع مرات، في إطار سياسة انتقامية تستهدف قادة الحركة الأسيرة، حيث يخضعان لظروف اعتقال قاسية، شملت العزل، والتنكيل، والتضييق المتواصل، وسط حرمان ممنهج من أي تحسن في شروط الاعتقال، ويمثل الشيخ الأسير جمال أبو الهيجا حالة رمزية خاصة بثقل حكمه وتقدمه في السن ووضعه الصحي، إلى جانب الاستهداف المتواصل لعائلته، التي تعرّض عدد من أبنائها للاعتقال الإداري، في تجسيد واضح لسياسة العقاب الجماعي.
في المقابل، يُعدّ الأسير إسلام جرار من أبرز قيادات الحركة الأسيرة، وقد سبق اعتقاله عدة مرات، وتعرّض للمطاردة لسنوات خلال انتفاضة الأقصى، قبل أن يصدر بحقه حكم مشدد عقب تحقيقات مطولة، على خلفية اتهامه بالمشاركة في عمليات مقاومة، من بينها عملية صفد.
أصغر المؤبدين… شباب في مواجهة السجن مدى الحياة
من بلدة رمانة غرب جنين، يقبع الأسيران أسعد يوسف الرفاعي (22 عامًا) وصبحي عماد صبيحات (23 عامًا)، كأصغر الأسرى المحكومين بالسجن المؤبد في محافظة جنين، بعد اعتقالهما في أيار/مايو 2022، في واحدة من أكثر الأحكام قسوة بحق شبان في مطلع العشرينات.
ويقضي الأسيران حكمًا بالسجن المؤبد المكرر أربع مرات، إضافة إلى 20 عامًا، على خلفية اتهامهما بتنفيذ عملية “إلعاد” بتاريخ 5/5/2022، والتي أسفرت عن مقتل أربعة مستوطنين وإصابة ثلاثة آخرين. وقد صدر الحكم بحقهما في 3 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، ليكرس سياسة الانتقام بأقصى درجاتها بحق جيل الشباب.
أعلى الأحكام: مؤبدات تتجاوز المنطق
يتصدر الأسير أنس غالب حسن جرادات (41 عامًا) من بلدة السيلة الحارثية قضاء جنين، قائمة أعلى الأحكام في سجون الاحتلال، إذ يقضي حكمًا بالسجن المؤبد 35 مرة إضافة إلى 35 عامًا أخرى، منذ اعتقاله بتاريخ 11/5/2003، في واحدة من أثقل الأحكام في تاريخ الحركة الأسيرة.
التحق جرادات بـسرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، وكان من أوائل المشاركين في انتفاضة الأقصى عام 2000، قبل أن يتحول إلى أحد أبرز قيادات العمل المقاوم ومهندسي العمليات الفدائية، وتتهمه سلطات الاحتلال بالمشاركة في عمليتي كركور ومجدو عام 2002، اللتين أسفرتا – وفق رواية الاحتلال – عن مقتل نحو 31 جنديًا، وقد خضع لتحقيق قاسٍ عقب اعتقاله، ولا يزال يقبع في الأسر منذ 22 عامًا متواصلة، أمضى غالبيتها في ظروف قاسية، شملت العزل الانفرادي والتنكيل.
ويليه في الأسرى الأعلى حكماً الأسير سعيد حسام سعيد طوباسي (42 عامًا) من مخيم جنين، المحكوم بالسجن المؤبد 31 مرة إضافة إلى 50 عامًا، منذ اعتقاله بتاريخ 1/11/2002، في ملف يُجسّد سياسة الانتقام الممنهجة بحق أبناء المخيم، وعرف طوباسي السجون مبكرًا من خلال زياراته لأقاربه الأسرى، وفقد والده وهو في الثالثة عشرة من عمره، ما اضطره إلى ترك مقاعد الدراسة لإعالة عائلته، فكبر قبل أوانه، وكبر معه الوطن.
ومع اندلاع انتفاضة الأقصى، تشكل وعي الأسير الطوباسي النضالي، لتبدأ مطاردته عام 2002، حيث أقدم الاحتلال على هدم منزل عائلته في مخيم جنين بتاريخ 31/10/2002، قبل أن يعتقله في اليوم التالي من قرية العرقة، وينقله إلى تحقيق الجلمة، حيث بدأت رحلة الأسر الطويلة التي لم يعرف بعدها طعم الحرية، وتتهم سلطات الاحتلال الأسيرين جرادات وطوباسي بالمشاركة في عمليتي كركور ومجدو عام 2002، في واحدة من أثقل ملفات الأحكام وأكثرها قسوة في تاريخ الحركة الأسيرة، بما يعكس حجم الاستهداف الذي يطال قيادات العمل المقاوم في محافظة جنين.
الأسرى المرضى: إهمال طبي كعقوبة إضافية
يعاني أربعة أسرى من أصحاب الأحكام المؤبدة من ملفات طبية مهملة داخل سجون الاحتلال في وقت لا تقل فيه معاناة بقية الأسرى المؤبدين قسوة، إذ يعاني معظمهم من الهزال الشديد نتيجة سياسة التجويع الممنهجة التي تواصل إدارة السجون تطبيقها بحق الأسرى كافة، إلى جانب ما يتعرضون له من قمع وتنكيل وبرد قارس، وحرمان متعمد من الإنجازات التي انتزعتها الحركة الأسيرة عبر معارك الأمعاء الخاوية.
ويعاني الأسير جمال عبد السلام أبو الهيجا من بتر في يده جراء إصابته بالرصاص، فضلًا عن تدهور وضعه الصحي نتيجة تقدمه في السن، في ظل غياب أي رعاية طبية ملائمة.
أما الأسير أنس غالب جرادات، فيعاني من مشاكل حادة في الكبد، ويحتاج إلى أدوية يومية ضرورية، إلا أن إدارة السجون تواصل حرمانه منها، في انتهاك صارخ لحقه في العلاج.
ويعاني الأسير أمجد أحمد عبيدي (56 عامًا) من بلدة زبوبا، المعتقل منذ 7/11/2003، والمحكوم بالسجن المؤبد المكرر 23 مرة إضافة إلى 50 عامًا من ديسكات حادة في الظهر، ويأتي ذلك في سياق مسيرة اعتقال طويلة، بدأت منذ عام 1985، حيث تعرّض لسلسلة من الاعتقالات المتكررة، قبل أن يُعاد اعتقاله عام 2003 ويقضي منذ ذلك الحين سنوات الأسر المتواصلة.
كما يواجه الأسير يعقوب محمود قادري (53 عامًا) من بلدة بير الباشا، المعتقل منذ 18/10/2003، والمحكوم بالسجن المؤبد مرتين إضافة إلى 35 عامًا مشاكل صحية في الغدة اللمفاوية، إلى جانب ديسك في الظهر وارتفاع مزمن في ضغط الدم، دون توفير العلاج اللازم.
ويعاني الأسير محمد مروح قبها (45 عامًا) من بلدة الطورة من أوجاع حادة في البطن والأسنان وهزال شديد. وكان الاحتلال قد اعتقله بعد محاصرة منزله، ونقله إلى مركز تحقيق المسكوبية، حيث خضع لتحقيق قاسٍ استمر أكثر من شهر ونصف، قبل أن يصدر بحقه حكم نهائي بتاريخ 3/4/2022 يقضي بسجنه مؤبدًا مدى الحياة، إضافة إلى فرض غرامة مالية بقيمة ثلاثة ملايين شيقل.
بطلي نفق جلبوع: خمسة أيام حرية في مواجهة الاحتلال
في تاريخ 6/9/2021، تمكن ستة أسرى من محافظة جنين من تنفيذ عملية نوعية داخل سجن جلبوع، إذ حفَروا نفقًا أتاح لهم الفرار، وتجولوا في سهل مرج بن عامر وعبروا أراضيهم التي لم يلمس معظمهم ترابها منذ سنوات طويلة، واستمتعوا بثمار المدينة قبل أن تعيدهم قوات الاحتلال بعد خمسة أيام من الحرية التي انتزعوها بإصرار وعزيمة لا تلين.
نجحت المقاومة لاحقًا في تحرير أربعة من هؤلاء الأسرى وهم: المحرر زكريا زبيدي، المحرر محمود العارضة، المحرر محمد العارضة، والمحرر أيهم كممجي، بينما لا يزال أسيران معتقلين حتى اليوم: يعقوب محمود قادري، ومناضل يعقوب انفيعات (29 عامًا) من بلدة يعبد، المعتقل منذ 11/2/2002، ويقضي حكمًا بالسجن 7 سنوات ونصف.
وكان مناضل انفيعات يقضي في البداية حكمًا مدته عامان ونصف، إلا أن مشاركته في عملية نفق جلبوع أضافت إلى حكمه خمس سنوات أخرى، لتتأجل حريته، في ظل ظروف صحية صعبة، يعاني فيها من حموضة في المعدة ويحتاج إلى نوعية طعام صحية لا توفرها إدارة السجون.
عائلة أبو الهيجا: رحلة اعتقال مستمرة وألم متواصل
تشكل عائلة الأسير الشيخ المؤبد جمال أبو الهيجا نموذجًا نضاليًا فريدًا، حيث يقبع الأب تحت حكم ثقيل في السجون، متأثرًا بتقدمه في السن ومعاناته من أمراض متعددة، ولم تتح له فرصة وداع عدد من أقاربه إلى مثواهم الأخير، كما فقد زوجته قبل ثمانية أشهر بعد صراع طويل مع المرض، دون أن تشمله أي صفقة تحرير ضمن “طوفان الأحرار”.
ويشارك الأب أربعة من أبنائه مرارة الاعتقال؛ إذ اعتقلت الاحتلال ابنته، الأسيرة المحامية بنان أبو الهيجا (40 عامًا)، بتاريخ 7/5/2025 على حاجز جبارة أثناء مرافقتها لوالدتها في المستشفى، والتي توفيت بعد أيام من اعتقالها دون أن تتمكن من وداعها.
تم تحويل ملف الأسيرة بنان للاعتقال الإداري في سجن الدامون، وجُدد لها أمر الاعتقال الإداري مرتين خلال أربعة أشهر، وهي أم لأربعة أطفال ومحامية، رغم غياب أي تهمة واضحة بحقها، ما يجعلها تعاني، إلى جانب باقي الأسيرات، حرب التجويع والإهمال الطبي والقمع الممنهج.
كما يعتقل الاحتلال ابنين آخرين من أبناء العائلة، بينما تعتقل السلطة الابن الثالث، حيث اعتقل الاحتلال الأسير عبد السلام أبو الهيجا (42 عامًا) بتاريخ 10/8/2022 ويخضع للاعتقال الإداري حتى اليوم، واعتقل عاصم أبو الهيجا (39 عامًا) بتاريخ 19/6/2022، ويخضع أيضًا للاعتقال الإداري، أما الابن الثالث، عماد أبو الهيجا (36 عامًا)، فتخضعه السلطة للاعتقال منذ أكثر من 9 أشهر، وتعكس قصة العائلة مأساة الفلسطينيين تحت الاحتلال، حيث تتقاطع الاعتقالات مع الفقدان والألم، لتشكل نمطًا من المعاناة المستمرة عبر الأجيال.
الأسرى الأطفال: الأشبال في مواجهة الاحتلال
يمثل الأطفال الأسرى في مدينة جنين إحدى أكثر الفئات تعرضًا للقمع منذ الصغر، حيث تتحول تجربة الاعتقال إلى مأساة حياتية مستمرة، من بين 350 طفلاً فلسطينياً محتجزاً في سجون الاحتلال حتى سبتمبر 2025، يبلغ عدد الأطفال من جنين أكثر من 18 طفلاً، هؤلاء الصغار يواجهون التفتيش القسري، الضرب المستمر، والتهديد النفسي اليومي، ما يترك آثار نفسية وجسدية عميقة، وكل يوم خلف القضبان يُعمّق جروحهم التي لا تُلتئم إلا بالحرية، لتصبح طفولتهم فصلاً مأساوياً في سجلات الحركة الأسيرة الفلسطينية.
أسيرات الدامون: اعتقال إداري وقمع ممنهج
يحتجز الاحتلال الإسرائيلي في سجن “الدامون” خمس أسيرات من محافظة جنين، أربع منهن يخضعن للاعتقال الإداري بلا سقف زمني واضح، ويواجهن انتهاكات متكررة تشمل الحرمان من الزيارات، وتقليص كميات الطعام ونوعيته الرديئة، ونقص حاد في أدوات النظافة الشخصية، إضافة إلى ضرب وتنكيل مستمر وإجراءات قمعية أثناء الاقتحامات والتفتيش، تشمل سحب الحجاب، رش الغاز، وتركيب كاميرات مراقبة داخل الزنازين، ما يعكس سياسة عقاب جماعي تستهدف الأسرى السياسيين بشكل ممنهج.
الأسيرة المحامية بنان جمال أبو الهيجا، البالغة 40 عامًا، ابنة القائد المؤبد جمال أبو الهيجا وشقيقة الشهيد حمزة أبو الهيجا، وأم لأربعة أطفال، اعتقلت بتاريخ 7 مايو 2025 عند حاجز جبارة أثناء مرافقتها لوالدتها المريضة، وأدخلت للاعتقال الإداري، وجُدد أمرها مرتين خلال أشهر قليلة، وعاشت بنان مأساة شخصية حين توفيت والدتها بعد خمسة أيام من اعتقالها، دون أن تتمكن من وداعها، ما زاد من وطأة معاناتها النفسية.
أما الأسيرة ياسمين تيسير شعبان من قرية الجلمة في قضاء جنين، البالغة من العمر 42 عامًا، فهي أم لأربعة أطفال، وتقارب عامها الثالث في اعتقالها الثاني لدى قوات الاحتلال، اعتُقلت ياسمين أول مرة عام 2014 بعد اقتحام منزلها وترويع أطفالها، بتهمة محاولة تنفيذ عملية استشهادية، وحُكم عليها بالسجن الفعلي لمدة خمسة أعوام قضتها بصبر ومثابرة.
خلال هذه السنوات، لعبت دورًا مهمًا داخل السجون، حيث اعتنت بالقاصرات والأسيرات ذوات الأحكام العالية، وقدمت لهن الدعم الصحي والنفسي، لتصبح بمثابة الأم والمربية لهن، كما تولت تمثيل الأسيرات أمام إدارة السجون في سجن الهشارون، وبعد إطلاق سراحها عام 2019، عادت إلى أطفالها وعائلتها، إلا أن اعتقالها الثاني بداية عام 2022 أعادها إلى زنزانتها، لتتولى مسؤولية دعم الأسيرات الفلسطينيات ونصرة قضاياهن، حتى ارتقت إلى منصب عميدة الأسيرات داخل السجون.
والأسيرة شيماء نضال أمين خازم(26عاماً) من مخيم جنين، ابنة الشهيد نضال خازم وابنة شقيق المطارد فتحي خازم، اعتقلت ضمن ملاحقات مباشرة لعائلتها المقاومة، وتتعرض لتحقيقات وملاحقات أمنية مكثفة داخل السجن، وقد اعتقلت الأسيرة شيماء خازم بتاريخ 3/8/2025، وتعتبر أصغر أسيرات محافظة جنين سناً.
أما الأسيرة شيماء إبراهيم أبو غالي من الحارة الشرقية في جنين، والتي ولدت في 15 يونيو 1986، فهي طبيبة أسنان ووالدة طفل،اعتُقلت في 29 فبراير 2025 فجرًا، ضمن مداهمة واسعة شملت منزلها، وذلك في إطار ملاحقة شقيقها المطارد، منذ لحظة اعتقالها نقلت شيماء عبر مراكز متعددة شملت المخيم، الجلمة، الشارون، وصولًا إلى الدامون، حيث واجهت تفتيشًا مهينًا وظروف احتجاز سيئة للغاية، تضمنت غرفًا متسخة، حشرات وفأر ميت تحت البرش، إلى جانب طقوس استقبال مذلة.
طوال فترة احتجازها، تعرضت شيماء أبو غالي لضغوط جسدية ونفسية كبيرة، إضافة إلى حرمانها من متطلبات الحياة الأساسية، ما يعكس طبيعة الانتهاكات اليومية التي تواجهها الأسيرات الفلسطينيات في السجون الإسرائيلية، وهي تعتبر أقدم أسيرات محافظة جنين اعتقالاً.
أما الأسيرة سلام إبراهيم عواد من مدينة جنين، لا تزال موقوفة ولم يصدر بحقها حكم نهائي بعد، إذ تخضع لجلسات المحاكمة أو تنتظر انتهاء الإجراءات القانونية، اعتُقلت سلام ضمن حملات التصعيد الأخيرة التي استهدفت محافظة جنين، وخصوصًا الكوادر الطلابية والناشطات، لتدخل عالم السجون حيث تواجه ظروفًا قاسية تشمل الاكتظاظ، ونقل متكرر، والحرمان من الزيارات العائلية، إضافة إلى الضغط النفسي والجسدي المستمر بسبب طول فترة توقيفها وانعدام الحقوق الأساسية.
صحفي جنين: علي السمودي بين الاعتقال الإداري والمعاناة الصحية
في مدينة جنين، حيث تسجل كل زاوية من مخيماتها وقراها حكاية اعتقال ومقاومة، يقبع الصحفي علي السمودي (58 عاما) خلف قضبان الاحتلال، في تجربة تمثل جزءاُ من سياسة استهداف الإعلام الفلسطيني، جددت سلطات الاحتلال، للمرة الثالثة على التوالي منذ نيسان/أبريل 2025، الاعتقال الإداري بحق السمودي لمدة أربعة أشهر إضافية، دون أن يعرف هو أو محاميه أي تفاصيل عن التهم الموجهة إليه، في خرق صارخ لأبسط معايير العدالة، هذا التجديد جاء قبل أيام قليلة من موعد الإفراج المفترض، ليصبح أحد أشكال التعذيب النفسي الذي يعانيه الأسرى وعائلاتهم.
يقبع الأسير الصحفي السمودي اليوم في سجن “النقب” الصحراوي في ظروف اعتقالية قاسية، بينما تتدهور صحته بشكل مقلق، حيث يعاني من مشاكل صحية متعددة، أبرزها حرمانه من الأدوية اللازمة لعلاج مرض السكري وضغط الدم، وآلام حادة في الظهر نتيجة إصابته برصاص الاحتلال أثناء تغطيته الميدانية للحادثة التي استشهدت فيها الزميلة شيرين أبو عاقلة عام 2022، إضافة إلى ذلك فقد السمودي جزءاً كبيراً من وزنه بسبب التجويع وسوء التغذية المستمرين منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023.
الصحفي علي السمودي، المعروف بلقب عميد صحفيي جنين، يمثل نموذجاً حياً للمقاومة الصحفية في المدينة، التي دفعت ثمناً باهظاً في مواجهة الاحتلال، حيث تستهدف حريتها وكوادرها المهنية بشكل ممنهج، تجديد اعتقاله يضيف فصلاً جديداً من معاناة الصحفيين الفلسطينيين، ويذكر بأن جنين لا تحمل في سجلها صمود الأسرى والقيادات فحسب، بل أيضا صمود من يسجلون قصص المدينة ويكشفون جرائم الاحتلال للعيان.
شهداء مدينة جنين: ضحايا الاحتلال في سجون فلسطين
لم يقتصر انتهاك الاحتلال الإسرائيلي على الاعتقال التعسفي، بل امتد ليشمل القتل البطيء والتنكيل بالأسرى داخل السجون، ما أدى إلى استشهاد العديد منهم خلال السنوات الأخيرة سيما بعد حرب الإبادة الأخيرة، فقد بلغ عدد الشهداء منذ تلك الحرب نحو 86 شهيدًا على الأقل، منهم 9 من مدينة جنين ممن قضوا تحت وطأة الإهمال الطبي، الضرب، وسلسلة الانتهاكات الممنهجة التي يمارسها الاحتلال بحق المعتقلين.
من بين هؤلاء الشهداء الأسير جمال أحمد شواهنة من السيلة الحارثية، والد المطارد الجريح ضياء شواهنة، استُشهد داخل السجون جراء التنكيل والضرب الشديد بعد اعتقاله قبل أيام من مكان عمله في الأراضي المحتلة عام 1948؛ بهدف الضغط على نجله لتسليم نفسه، في حين استُشهد الأسير كفاح عصام ضبايا (34 عامًا) من كفرذان غرب جنين، متأثرًا بإصابته برصاص الاحتلال قبل اعتقاله خلال العدوان الأخير على جنين ومخيمها.
كما استُشهد الأسير خالد محمود قاسم عبد الله (41 عامًا) من مخيم جنين في سجن مجدو بعد اعتقال إداري منذ نوفمبر 2023 في الوقت الذي لم يكن يعاني فيه من أي مشاكل صحية، واستشهد الأسير محيي الدين فهمي سعيد نجم (60 عامًا) المعتقل إداريًا منذ أغسطس 2023- والذي سبق أن قضى نحو 19 عامًا في السجون- نتيجة حرمانه من العلاج رغم معاناته من أمراض مزمنة.
أما الأسير لؤي فيصل محمد نصر الله (22 عامًا) فقد استُشهد في مستشفى سوروكا بعد نقله من سجن النقب، واستشهد الأسير سمير محمد يوسف الرفاعي(53عاماً) من رمانة قبل جلسة محاكمته في سالم بتاريخ 17/7/2025 ، بينما استُشهد الأسير الإداري أحمد سعيد صالح طزازعة (20 عامًا) في سجن مجدو بعد اعتقاله منذ مايو 2025.
كما قضى الأسير محمود طلال عبد الله (49 عامًا) من مخيم جنين، المصاب بالسرطان، بعد تدهور وضعه الصحي خلال اعتقاله المستمر منذ فبراير 2025، وكان أسيرًا سابقًا منذ انتفاضة الأقصى، فيما استُشهد الأسير محمد حسين محمد غوادرة (63 عامًا) من برقين في سجن جانوت بعد ثلاثة أشهر من اعتقاله في أغسطس 2024.
كل هؤلاء الشهداء يمثلون نموذجًا مأساويًا للسياسة الإعدام الممنهجة التي يتبعها الاحتلال ضد الأسرى حيث تتحول سنوات الاعتقال إلى معاناة مستمرة وحرمان من العلاج والرعاية الصحية ما يجعلها سبباً مباشراً لفقدان حياتهم داخل السجون.
يؤكد مكتب إعلام الأسرى أن الأسرى في محافظة جنين يعيشون أوضاعًا مأساوية تشكل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني، بما يتعارض مع اتفاقية جنيف الرابعة 1949 والمواثيق الدولية التي تحمي الأسرى المدنيين، تشمل الانتهاكات الإهمال الطبي المتعمد، العزلة الطويلة، التعذيب الجسدي والنفسي، وحرمان النساء من أبسط الحقوق الصحية والإنسانية.
ويشدد مكتب إعلام الأسرى على ضرورة تحرك الهيئات الدولية لفضح هذه الممارسات، ومحاسبة الاحتلال، وضمان الإفراج الفوري عن الأسرى دون قيد أو شرط، مع إجراء تحقيق دولي مستقل لتوثيق الانتهاكات، ويمثل أسرى محافظة جنين شريحة نضالية واسعة تواجه كل أشكال القمع والانتهاك، من الأطفال الأسرى الذين يعانون منذ الصغر، إلى الأسرى المؤبدين والمصابين بأمراض مزمنة، وتكشف تجربة الأسرى النساء في سجن الدامون عن حجم الانتهاكات المستمرة، ما يترك المجتمع الدولي أمام مسؤولية كبيرة للمطالبة بالتحرك الفوري لحماية الأسرى ومحاسبة الاحتلال على الجرائم الممنهجة التي يرتكبها بحق أهالي محافظة جنين.




