سامر خويرة يكشف جحيم السجون بعد 7 أكتوبر: الأسرى أموات منسيون خلف القضبان

بجسدٍ أنهكه الجوع، وروحٍ عاينت الموت يومياً، خرج الصحفي سامر خويرة من مدينة نابلس بعد تسعة أشهر من الاعتقال الإداري، ليطلق صرخة هزّت الضمائر: “الأسرى أموات، منسيون.. لا أحد يدرك وضع السجن إلا من عاشه”. هذه الكلمات
لم تكن مجرد رواية عن تجربة اعتقال عابرة، بل كانت شهادة حيّة على مرحلة هي الأشد قسوة في تاريخ الحركة الأسيرة، مرحلة ما بعد السابع من أكتوبر، حيث تحوّلت السجون إلى مساحات مفتوحة للقمع والإذلال والتجويع الممنهج.
سامر، الذي اعتُقل في العاشر من نيسان/أبريل الماضي، لم يخرج من السجن كما دخل إليه. خرج شاهداً على مرحلة تحوّلت فيها المعتقلات إلى ساحات مفتوحة للقمع والإذلال والتجويع الممنهج، لا مكان فيها للحد الأدنى من الإنسانية،يقول إن ما عاشه داخل السجن لا يمكن وصفه بالكلمات، “لأن الذل لا يعلمه إلا الله”. بهذه العبارة يختصر واقعًا يوميًا من الضرب، والإهانة، والقهر المتواصل، حيث لا يعود للزمن أي معنى، فساعة واحدة في هذا الجحيم تعادل ثلاثين سنة، لأن المكان نفسه حالة جنون مستمرة، قائمة على القمع والضرب والبهذلة والتنكيل.
يروي سامر أن الأسرى في السجون باتوا “كالأموات، منسيين”، لا أحد يستطيع أن يعرف حقيقة أوضاعهم إلا من عاشها بنفسه. ويؤكد أن سياسة الإذلال هي القاعدة اليومية التي تُدار بها حياة المعتقلين، أما الطعام، فيكاد يكون معدومًا، ويصفه بمرارة: “ما فيش أكل… هذا الأكل إشي بس نسمع فيه”، في إشارة إلى سياسة التجويع التي تُستخدم كأداة إضافية لكسر الأسرى جسديًا ونفسيًا.
هذه الشهادة تتقاطع بشكل واضح مع عشرات الشهادات التي أدلى بها أسرى محررون لمكتب إعلام الأسرى خلال الأشهر الماضية، والذين تحدثوا بدورهم عن الضرب المبرح، والتفتيشات المهينة، والحرمان من النوم، والعزل الانفرادي، وسوء المعاملة المتعمد، وترك المرضى والجرحى دون علاج حقيقي، في مشهد يعكس سياسة انتقامية شاملة تُمارَس بحق الحركة الأسيرة منذ اندلاع الحرب.
وكما يروي سامر، فإن القهر في السجن لا يقتصر على الألم الجسدي فقط، بل يمتد ليصيب الروح في عمقها، حيث يُجرَّد الأسير من إنسانيته، ويُعامَل كرقم بلا قيمة، وتتحول الإهانة إلى روتين يومي، والجوع إلى سلاح، والخوف إلى رفيق دائم، هذا الوصف يتطابق مع ما رواه أسرى محررون آخرون أكدوا أن مرحلة ما بعد 7 أكتوبر شكّلت منعطفًا خطيرًا في طبيعة المعاملة داخل السجون، من حيث شدتها ووحشيتها وانتقاميتها الواضحة.
إن شهادة سامر خويرة ليست إلا واحدة من آلاف الشهادات الصامتة خلف القضبان، لكنها تكشف بوضوح أن ما يجري في السجون سياسة ممنهجة تهدف إلى كسر الإنسان الفلسطيني جسدًا ونفسًا، وتحويل الاعتقال إلى تجربة تدمير بطيء.
تبقى هذه الشهادات صرخة في وجه العالم، وتذكيرًا بأن خلف الجدران والأسلاك الشائكة هناك بشر يُعذَّبون كل يوم، وأن معاناة الأسرى ليست أرقامًا في تقارير، هي حكايات وجع حقيقية، وكرامة تُنتهك، وأرواح تُستنزف بصمت
خرج سامر بجسده، لكنه ترك خلفه آلاف “الأموات” الذين ينتظرون أن يسمع العالم صراخهم الذي نقله سامر بأمانة ومرارة.




