تقارير وحوارات

الدامون: ليلٌ طويل بارد يُكبّل الأسيرات

ليل الاقتحام لم يكن أبدًا لحظة عابرة في ذاكرة الأسيرات، فهو بداية زمنٍ طويل من الخوف المعلّق.. ليلٌ يُكسر فيه الباب، ويُصادر فيه الأمان، وتُنتزع المرأة من سريرها كما لو كانت خطرًا يجب اجتثاثه.. من تلك اللحظة، لا يعود الجسد ملك صاحبته، ولا الروح في مأمن.

نساء شابات، أمهات، طالبات، ومصوّرة صحفية، اجتمعن قسرًا وقهرًا في سجن الدامون، لا لشيء سوى أن الاحتلال قرّر أن يجرّب سلطته عليهن.. كلّ واحدة تحمل في جسدها أثر قيد، وفي ذاكرتها مشهد إهانة، وفي قلبها محاولة مستمرة للبقاء متماسكة..

ما يُروى هنا جزءٍ صغير من وجعٍ كبير، غيض من فيض شهادات أسيرات فلسطينيات، ينقلها مكتب إعلام الأسرى كما خرجت من أفواههن: موجعة، صادقة، وعارية من الزينة.

إسراء خمايسة، مصوّرة صحفية من تفوح بالخليل، أُخرجت من غرفتها عند الثالثة وثلث فجرًا على يد ثلاث مجنّدات وجنود مدجّجون بالسلاح، هاتفها يُصادَر، وجسدها يُصوَّر، ثم تُرمى خارج المعسكر على الحجارة، وتتعرض لشتائم، سخرية من مرضها، منع من الصلاة، وحرمان من أبسط حق إنساني: استخدام الحمّام.

نُقلت بين عصيون، الشارون، ثم الدامون، حيث بدأ فصل آخر من العنف؛ تفتيش عارٍ كامل، جرّ، تصوير، وشتائم تطالها وتطال أمّها، اليوم، فقدت 15 كيلوغرامًا من وزنها، تعيش في برد قاسٍ، بلا ملابس مناسبة، وبلا منظّفات، في زنزانة مكتظة.

وإلى طالبة الطب ننتقل، نادين الدغامين، طالبة طب في عامها الثالث، اعتُقلت ليلًا من بيتها في السموع بالخليل، نامت في العراء، ثم نُقلت بين كريات أربع والشارون فالدامون، تقول بابتسامة مفاجئة وسط الألم: “شفت البحر لأول مرة بحياتي”..

لحظة فرح قصيرة، سرعان ما ابتلعتها الحقيقة؛ تفتيش مهين، شتائم متواصلة، وضرب داخل عيادة السجن أمام الطبيب، اليوم، تغطّي جسدها بثلاث حرامات ومعطف، والشبابيك مفتوحة، والبرد لا يرحم، المحارم والمستلزمات الصحية تنقطع أيامًا طويلة، والشتائم، بما فيها شتم الذات الإلهية، لا تتوقف.

آيات سويلم، ابنة البلدة القديمة في نابلس، اعتُقلت بعد أن جلب الجنود والدتها آمنة معهم لإجبارها على الخروج، كلبشات بلاستيكية حفرت في يديها آثارًا لا تزال واضحة، تنقّلت بين معسكرات لا تعرف أسماءها، 20 يومًا في الجلمة، “عصافير”، ثم الدامون.

اليوم، تزاملها والدتها في السجن ذاته، دون اجتماع! خمس دقائق فقط سُمح لهما باللقاء. آيات وزنها 47 كيلوغرامًا.

أما آمنة سويلم، الأم والجدة، فقصتها تختصر وجع العائلة الفلسطينية.. وجع مضاعف لاعتقالها مع ابنتها آيات، اعتُقلت فجرًا، تنقّلت بين بيتاح تكفا والجلمة والدامون، خضعت للخداع النفسي، أُعيدت للبيت لساعات ثم أُعيد اعتقالها. تعاني من آلام في يديها وكتفيها بسبب القمع والكلبشات. تقول بهدوء موجع: “الأكل والنوم مش فارقة… التفتيش المهين والمسبّات همّ الوجع الحقيقي”. لها ثمانية أحفاد، والتاسع في الطريق، وتُجبر على رؤية ابنتها آيات من بعيد دون كلمة.

ميس نزال، طالبة قضاء شرعي، اعتُقلت دون تهمة واضحة، تقول: “ثلاث قمعات، وما سألوناش إشي”، جُرّت على الأرض، كُلبشت يداها وقدماها، وأصيبت في قدمها لدرجة لم تستطع الجلوس أسبوعين.

يشار إلى أنه حوالي ثلث الأسيرات في سجون الاحتلال وعددهن 16 أسيرة تم تحويلهن إلى الاعتقال الإداري دون تهمة، لأنه ينسجم مع سياسة الاحتلال في اعتقال الأسيرات بتهمة التحريض غير المحددة وغير المدعومة بأدلة واضحة.
وبلغت حالات الاعتقال بين النساء منذ حرب الإبادة على قطاع غزة في السابع من أكتوبر حتى نهاية العام 2025 أكثر من (650) حالة، ويقبع حاليًا في سجون الاحتلال 49 أسيرة بينهن قاصرتان، وأسيرتان معتقلتان منذ ما قبل السابع من أكتوبر، و24 أسيرة أمهات لعشرات الأبناء.

ما يجري داخل سجن الدامون كسرٌ مقصود ومدروس، كسرٌ للجسد عبر الجوع والبرد، وكسرٌ للروح عبر التفتيش العاري، الشتم، الإذلال، وحرمان الأم من ابنتها، والابنة من حضن أمّها.

هذه الشهادات لا تبحث عن شفقة، ولا تطلب تعاطفًا مؤقتًا؛ هي تصرخ طلبًا للعدالة، وتفضح نظامًا يحاول تحويل النساء إلى أرقام، والأمهات إلى ملفات، والوجع إلى إجراء روتيني.

خلف كل زنزانة حكاية لم تُحكَ كاملة، وخلف كل رقم إنسانة تُقاوم كي لا تُسحق، كي لا تُنسى، وكي تظلّ — رغم كل شيء — إنسانة.

المصدر
تقرير/ إعلام الأسرى
زر الذهاب إلى الأعلى