الأسير المؤبد محمد الريماوي : 62 كيلوغرامًا سرقتها السجون و«السكابيوس» يفتك بجسده

ليس الأسير الفلسطيني جسدًا محبوسًا بين جدرانٍ باردة فحسب، هو ذاكرةٌ تمشي على الألم، وكرامةٌ تقاوم الانكسار، ومشاعر تُستهدف كما يُستهدف الجسد تمامًا. فمنذ حرب السابع من أكتوبر، بات واضحًا لكل فلسطيني، ولكل حرّ في هذه الأمة، أن حربًا خفيّةً وشرسة تُدار داخل السجون، عنوانها: التجويع، العزل، التنكيل، والقتل البطيء.
حربٌ تترافق مع مطالباتٍ متصاعدة بتشريع قانون الإعدام، ومع إجراءاتٍ انتقامية جعلت أبسط حقوق الأسرى تُصنّف “ترفًا” في نظر إدارة السجون: الملابس، أدوات النظافة، السكر، الماء الدافئ، العلاج، زيارات الأهالي، وحتى الهواء والشمس. لقد سُحبت كل إنجازات الحركة الأسيرة التي انتُزعت عبر سنوات طويلة من الإضرابات والمعاناة، ليُترك الأسرى في عزلةٍ زمانية ومكانية خانقة.
قلق العائلات… وأسئلة لا تنام
في المقابل، تعيش عائلات الأسرى حالةً دائمة من القلق والهلع. لم يعد للكلام قيمة، فالألسنة تصدح منذ عقود نيابةً عن الآباء والأبناء خلف القضبان، بينما يمرّ الوقت ثقيلًا، وكل دقيقة تُضاف إلى رصيد آلام الأسرى المرضى، وكبار السن، وأصحاب الأمراض المزمنة، ومن داهمهم فوق ذلك مرضٌ جلديّ جديد أفرزته سياسات السجون بعد أن مُنعوا من الشمس والهواء، والطعام الصحي، والمياه الدافئة، وأدوات النظافة، وحق الاستحمام، والملابس والبطانيات.
محمد الريماوي… اسمٌ لا يغيب عن الدعاء
وسط هذا المشهد القاتم، تعيش عائلة الأسير القائد محمد فهمي إبراهيم الريماوي (59 عامًا) حالة انتظارٍ موجعة. وُلد في الأردن وينحدر من بلدة بيت ريما قضاء رام الله، وتلاحقه عائلته بالسؤال في كل لحظة:
هل أكل؟ هل شرب؟ هل نام دافئًا؟ هل تناول علاجه؟ كيف أصبح شكله اليوم؟
تحاول العائلة منذ السابع من أكتوبر تأمين زيارة محامٍ له، لكن إدارة السجون تتذرع بحالة الطوارئ، أو تدّعي أنه “معاقَب”، قبل أن تكتشف العائلة لاحقًا أن إدارة السجن لا تُبلغه أصلًا بطلبات الزيارة. ومنذ شباط/فبراير، لم يره محاميه سوى مرة واحدة، لتنقطع أخباره بعدها إلا عبر أسرى محررين خرجوا من قسمه.
توثيق القادة… كي لا يُقتلوا في العتمة
يواصل مكتب إعلام الأسرى تسليط الضوء على قضايا الأسرى ذوي الأحكام المؤبدة، إيمانًا بضرورة إبقاء قصصهم حيّة في الوعي الفلسطيني، وإعادة قادة الحركة الأسيرة إلى الواجهة، في وقتٍ تتعرض فيه حياتهم لمحاولات قتلٍ بطيء ومنهجي. ومن بين هذه القصص، تبرز حكاية الأسير محمد الريماوي، نضاله، وضعه الصحي، ورحلة الانتظار القاسية التي تخوضها عائلته معه.
طريق الكرامة
اعتُقل الأسير محمد الريماوي بتاريخ 19/10/2001 أثناء عودته إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة. وبعد جولات تحقيق قاسية، اتهمه الاحتلال بالمشاركة في اغتيال وزير السياحة الإسرائيلي رحبعام زئيفي، ضمن الخلية المعروفة من أبناء الجبهة الشعبية، والتي ضمّت أحمد سعدات، حمدي قرعان، عاهد أبو غلمة، باسل الأسمر، مجدي الريماوي، وجميعهم ما زالوا يقبعون في سجون الاحتلال بأحكامٍ جائرة وظروف قمعية.
على إثر ذلك، حُكم على الريماوي بالسجن المؤبد مدى الحياة. واليوم تؤكد عائلته، في حديثها لمكتب إعلام الأسرى، أن 24 عامًا وشهرين مرّت على اعتقاله، لم تُحتسب من عمره وحده، بل من أعمارهم وصبرهم ووجعهم أيضًا.
رغم الأسر، واصل الأسير مسيرته التعليمية؛ فإلى جانب شهادة الثانوية العامة والبكالوريوس، حصل خلال اعتقاله على درجة الماجستير. ويُعد اليوم واحدًا من 18 أسيرًا مؤبدًا من محافظة رام الله، وثاني أقدم معتقل منها بعد الأسير المؤبد خالد شبانة.
أمراض تتضاعف… وجسد يذوب
تنقل عائلة الأسير أن محمد الريماوي يعاني من حمّى البحر الأبيض المتوسط، إضافة إلى فشلٍ في إحدى رئتيه، ويتنفس بصعوبة من الرئة الأخرى. ومع تصاعد سياسات التجويع بعد السابع من أكتوبر، فقد أكثر من نصف وزنه؛ إذ انخفض من 115 كغم إلى 53 كغم، أي ما يقارب 62 كغم.
ورغم صبره الطويل على المرض، إلا أن الحرب أضافت وجعًا جديدًا إلى جسده المنهك، بإصابته بمرض السكابيوس الجلدي، في ظل انعدام العلاج والنظافة. بات لا يستطيع النوم من شدة الحكة والآلام، وانتشرت الدمامل في جسده، حتى أصبح دواء حمّى البحر الأبيض المتوسط يؤثر عليه سلبًا.
يتواجد الريماوي اليوم في سجن نفحة، بلا ملابس دافئة، وبلا طعام صحي، وبلا رعاية طبية، فيما تعلم عائلته أن حالته الصحية لا تحتمل البرد ولا الجوع، لكن لا تملك إلا الدعاء والانتظار.
الأب… قبل أن يكون أسيرًا
محمد الريماوي ليس رقمًا مؤبدًا في سجلات الاحتلال، هو أبٌ لأربع بنات، استُثني اسمه من صفقة “طوفان الأحرار”، وبقيت عائلته تواجه وحدها قلق الغياب وثقل الخوف.
تصفه ابنته بقولها: “أبي إنسان استثنائي، ليس لأنه أبي فقط، بل لأن كل من عرفه يشهد له بذلك. كان يعطي الحقوق لأصحابها، يحب العلم، ويساعد الآخرين، وحتى وهو في الأسر، لم يتوقف عن الاهتمام بنا وبأدق تفاصيل حياتنا، المهم عنده أن نكون بخير”.
وتضيف: “نحن أربع بنات نحتاج حنان الأب. لا يغيب عن بالنا لحظة؛ على الفطور، عند الغداء، قبل النوم. وحين ننام دافئات، نسأل: هل نام أبي دافئًا؟ أم أن البرد ينهش جسده؟”.
هكذا، يبقى الأسير محمد الريماوي حاضرًا في تفاصيل البيت، غائبًا بجسده، ومقيمًا في قلوب بناته، بانتظار فجرٍ يُنهي هذا المؤبد الطويل.




