عام جديد والسجون كجبهة قتال مفتوحة: سياسة الاستهداف الممنهج للأسرى الفلسطينيين

مع دخول عام 2026، ما تزال السجون والمعتقلات الإسرائيلية تعيش على وقع حربٍ مفتوحة على الأسرى الفلسطينيين، في ظل حالة طوارئ ممتدة تطغى على المشهد الفلسطيني بأكمله. فبعد أكثر من عامين على اندلاع الحرب على قطاع غزة واتساعها لتشمل مختلف الجغرافيات الفلسطينية، تصاعدت الانتهاكات بحق الأسرى والمعتقلين داخل السجون بصورة غير مسبوقة، لتغدو الزنازين مساحات يومية للتعذيب المنهجي، وسياسات تستهدف الإنسان الفلسطيني في جسده ونفسيته، عبر أساليب تُفضي إلى إنهاكه البطيء وانتزاع كرامته.
وتكشف شهادات الأسرى المحررين، مدعومة بالقرائن المادية، عن منظومة قمع متكاملة جرّدت السجون من أي بعد إنساني، وحوّلتها إلى بيئة قائمة على الإيذاء المنظم والعقاب الجماعي. وتتجلّى قسوة هذا الواقع في استمرار سياسة التجويع، وحرمان الأسرى من العلاج والرعاية الصحية، إلى جانب أشكال متعددة من التعذيب الجسدي والنفسي. وفي هذا السياق، بات الأسرى في قلب مواجهة مفتوحة مع سياسات تهدف إلى كسر إرادتهم وعزلهم عن العالم، وفرض واقع معيشي قاسٍ يهدد حياتهم ووجودهم الإنساني يومًا بعد يوم.
مساحات يومية للتعذيب المنهجي وسياسات تستهدف الإنسان الفلسطيني في جسده ونفسيته، عبر أساليب تُفضي إلى إنهاكه البطيء وانتزاع كرامته.
تكشف شهادات الأسرى المحررين، مدعومة بالقرائن المادية، عن منظومة قمع متكاملة جرّدت السجون من أي بعد إنساني، وحوّلتها إلى بيئة قائمة على الإيذاء المنظم والعقاب الجماعي. وتتجلّى قسوة هذا الواقع في استمرار سياسة التجويع، وحرمان الأسرى من العلاج والرعاية الصحية، إلى جانب التعذيب الجسدي والنفسي. ويواجه الأسرى هذا النظام الظالم تشريعًا استثنائيًا يمنح سلطات الاحتلال صلاحيات غير محدودة في احتجازهم دون تهم، ليصبحوا رهن الاعتقال التعسفي لفترات طويلة دون محاكمات عادلة.
وتشير الإحصائيات إلى أن الاحتلال قد أودع أكثر من 9300 أسير في سجونها حتى نهاية 2025، بينهم 3350 معتقلًا إداريًا، و49 أسيرة، ونحو 350 طفلًا، إضافةً إلى 1220 مصنفين “مقاتلين غير شرعيين”، والذين يُحتجزون دون محاكمات أو تهم واضحة.
تجسد حالة الشهيد القاصر وليد خالد أحمد (17 عامًا)، الذي استشهد في سجن “مجدو” في مارس 2025، نموذجًا صارخًا لهذه السياسة الممنهجة، حيث تعرض للتجويع والحرمان من العلاج الطبي، ولم يُجرَ أي تحقيق جدي في ملابسات استشهاده، في انتهاك صارخ للقانون الدولي، ويعد هذا المثال جزءًا من سياسة الإفلات من العقاب التي يواصل الاحتلال ممارستها بحق الأسرى الفلسطينيين.
سياسة الإبادة داخل السجون: الانتهاكات تتصاعد
منذ عام 2023، يشهد الأسرى الفلسطينيون تصعيدًا غير مسبوق في انتهاكات حقوقهم، حيث تحولت السجون إلى مرافق تعذيب ممنهج تشمل التجويع، حرمان العلاج، العزل الانفرادي، الاعتداءات الجسدية والجنسية، وحرمانهم من أبسط مقومات الحياة. كما تضاعفت أساليب التعذيب النفسي عبر العزل الجماعي والمحاكمات غير العادلة، لتصبح جزءًا من منظومة العقاب المفتوحة التي تخضع لمنطق أمني مطلق دون رقابة فعّالة.
منظومة التعذيب والإعدام البطيء داخل السجون
تُطبَّق داخل السجون الإسرائيلية منظومة قمع شاملة تستهدف الأسرى والأسيرات بصورة ممنهجة، مستخدمةً مختلف أدوات التعذيب والإخضاع الجسدي والنفسي، في سياقٍ يهدف إلى تدمير الإنسان الفلسطيني ونسف مقوماته الإنسانية. ولم تعد هذه السجون أماكن احتجاز تقليدية، إذ تحوّلت إلى فضاءات مغلقة تمارس فيها أنماط متعددة من التعذيب المنظم، ضمن سياسات ممتدة تجاوزت العامين، وأنتجت واقعًا صحيًا كارثيًا بين صفوف الأسرى، حيث بات من المتعذّر حصر أعداد المرضى، في ظل انتشار واسع للأمراض وتدهور الأوضاع الصحية لغالبية المعتقلين، دون أي رعاية طبية حقيقية.
وتكشف الوقائع الموثقة أن التعذيب يبدأ منذ لحظة الاعتقال الأولى، ويتواصل داخل مراكز التحقيق والسجون بأساليب متجددة ومتراكمة، تتجاوز في قسوتها التعريفات المعتمدة في القانون الدولي. وتشير شهادات الأسرى إلى مستويات غير مسبوقة من التنكيل والعنف، تجعل الإطار القانوني القائم عاجزًا عن توصيف حقيقة ما يجري داخل السجون الإسرائيلية.
وقد أسهمت هذه السياسات، إلى جانب التجويع المتعمّد والحرمان المنهجي من الغذاء الكافي والمتوازن، في استشهاد عشرات الأسرى، فضلًا عن ارتكاب انتهاكات طبية جسيمة، شملت منع العلاج، وفرض ظروف معيشية تؤدي إلى تفشّي الأمراض والأوبئة. كما فُرضت سياسات العزل الجماعي والانفرادي، وتجريد الأسرى من الحد الأدنى من مقومات الحياة الاعتقالية، ضمن منظومة متكاملة من السلب والحرمان.
وتتجلى هذه الانتهاكات في حملات القمع المنظمة التي تنفذها وحدات خاصة تابعة لإدارة سجون الاحتلال، من بينها وحدات «كيتر» و«المتسادا» و«النحشون»، والتي تشارك في اقتحامات الأقسام، وتنفيذ اعتداءات جسدية عنيفة، واستخدام الغاز والقنابل الصوتية، وأدوات الصعق الكهربائي، إلى جانب سياسات الإذلال والتفتيش العاري، والاعتداءات الجنسية بما فيها الاغتصاب. كما جرى توظيف المرض أداةً إضافية للتعذيب، عبر الحرمان من العلاج، كما في حالة انتشار مرض الجرب (السكابيوس)، الذي تحوّل إلى وسيلة تعذيب مركّبة ذات أبعاد جسدية ونفسية.
ويمارس الاحتلال كذلك إرهابًا نفسيًا ممنهجًا بحق الأسرى، من خلال تحويل إجراءات «العدد» والفحص الأمني إلى طقوس يومية للإذلال، إلى جانب التهديد المستمر بالقتل والتصفية، وفرض سياسة الإخفاء القسري، لا سيما بحق معتقلي قطاع غزة. وتمتد هذه الممارسات لتشمل حرمان الأسرى من الملابس والأغطية وأدوات النظافة الشخصية، في انتهاكات تطال الأسرى والأسيرات والأطفال على حد سواء.
وفي السياق ذاته، تصاعدت الاعتداءات بحق رموز وقيادات الحركة الأسيرة، الذين يتعرضون لعزلٍ مضاعف وظروف احتجاز قاسية، في محاولة منهجية لتصفيتهم جسديًا ونفسيًا، بالتوازي مع حملات تحريض علنية تستهدف حياتهم. كما يواصل الاحتلال احتجاز جثامين الأسرى بعد استشهادهم، في انتهاك جسيم للقانون الدولي الإنساني، بينما يوفّر الجهاز القضائي غطاءً لهذه الجرائم عبر تحقيقات شكلية تفتقر إلى أي مضمون حقيقي للمساءلة.
وقد أدّت هذه المنظومة المتكاملة إلى استشهاد أكثر من مئة أسير ومعتقل داخل السجون والمعسكرات منذ بدء هذه المرحلة، أُعلن عن هويات (86) منهم، بينهم (32) شهيدًا خلال عام 2025، من ضمنهم الطفل وليد خالد أحمد (17 عامًا)، فيما لا يزال العشرات من شهداء معتقلي غزة رهن الإخفاء القسري. كما كشفت عمليات تسليم جثامين مئات الشهداء من غزة، في إطار اتفاق وقف إطلاق النار، عن أن عددًا منهم كانوا مقيّدين ومعصوبي الأعين، في مؤشرات واضحة على تعرّضهم للإعدام بعد الاعتقال أو الاحتجاز.
ويعكس هذا العدد غير المسبوق من شهداء الأسرى حجم الجرائم المرتكبة، إذ يعادل عدد الشهداء المسجلين خلال هذه الفترة ما سُجّل تاريخيًا بين عامي 1967 و1991، على امتداد أربعة وعشرين عامًا.وفي موازاة ذلك، تواصل سلطات الاحتلال حرمان الأسرى كافة من زيارة ذويهم، ومنع اللجنة الدولية للصليب الأحمر من أداء دورها، في تصعيد غير مسبوق لسياسة المنع من الزيارة، التي تحوّلت إلى أداة عقاب جماعي بحق الأسرى وعائلاتهم. كما فُرضت قيود مشددة على زيارات الطواقم القانونية، شملت المماطلة والتسويف، وافتعال حالات طوارئ عند وصول المحامين، إلى جانب الاعتداء على الأسرى أثناء نقلهم للزيارة وتقييدهم بأساليب مهينة، ما دفع عددًا متزايدًا منهم إلى الامتناع عن الخروج للقاء محاميهم
تصعيد تشريعي بعد الإبادة: منظومة قوانين تُشرعن القمع وتستهدف الأسرى
عقب جريمة الإبادة الجماعية، شهدت المنظومة التشريعية الإسرائيلية تصعيدًا غير مسبوق، تمثّل في إقرار حزمة واسعة من القوانين والتعديلات التي عمّقت الطابع البنيوي لنظام الفصل العنصري، ورسّخت أدوات السيطرة والقمع بحق الفلسطينيين، وبصورة خاصة الأسرى والمعتقلين. وقد استُخدمت الإبادة الجارية في قطاع غزة كذريعة سياسية وقانونية لتسريع سنّ تشريعات انتقامية، تجاوز عددها ثلاثين قانونًا جديدًا، لترتفع بذلك حصيلة القوانين التمييزية إلى ما يقارب مئة قانون، في مؤشر واضح على منهجية هذا المسار التشريعي واتساع نطاقه.
استهدفت هذه القوانين بصورة مباشرة تقويض منظومة الحقوق والحريات الأساسية، بما يشمل حرية التعبير والتنظيم والاحتجاج، والحق في المواطنة والحياة الأسرية، ومبدأ المساواة، إضافة إلى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. وترافق ذلك مع تشديد غير مسبوق على منظومة الاعتقال والعقاب، عبر إدخال تعديلات جوهرية على أنظمة إدارة السجون، أفضت إلى إعلان ما سُمّي «حالة طوارئ اعتقالية»، أتاحت احتجاز الأسرى في ظروف قاسية ولا إنسانية، ومنحت سلطات السجون صلاحيات استثنائية تتجاوز الحد الأدنى من المعايير الدولية لمعاملة السجناء.
وفي السياق ذاته، جرى إقرار قوانين تتيح سحب الجنسية أو الإقامة، وفرض الإقامة الجبرية، ووقف المخصصات الاجتماعية، فضلًا عن السماح بمعاقبة أقارب الأسرى أو استهدافهم، في انتهاك صارخ لمبدأ عدم جواز العقاب الجماعي، وللقواعد الأساسية للقانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان.
كما وسّعت هذه التشريعات نطاق استهداف الأطفال، من خلال تمديد فترات التوقيف، وتقييد المراجعة القضائية لأوامر الاعتقال الإداري، بما أفرغ الضمانات القانونية للمحاكمة العادلة من مضمونها، وحوّل الاعتقال الإداري إلى أداة انتقامية مفتوحة المدة، تخضع لمنطق أمني مطلق دون رقابة فعّالة.
وخلال عام 2025، واصل الكنيست هذا المسار عبر الدفع بمشاريع وقوانين انتقامية إضافية، في مقدمتها تشريعات تهدف إلى فرض عقوبة الإعدام بحق الفلسطينيين. وفي هذا الإطار، أقرّ الكنيست بتاريخ 10 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، وبالقراءة الأولى، مشروع قانون يجيز فرض عقوبة الإعدام بحق من «يتسبب عمدًا أو بإهمال بمقتل مواطن إسرائيلي بدافع عنصري أو عدائي». ويُظهر هذا المشروع توظيف التشريع كأداة لإضفاء غطاء قانوني على انتهاكات جسيمة تمسّ الحق في الحياة، المكفول بموجب المادة (6) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ويُعد امتدادًا مباشرًا لسياسات قمعية تمييزية تهدف إلى شرعنة القتل تحت مظلة قانونية عنصرية.
وإلى جانب ذلك، أُقرت قوانين تُجرّم إنكار أو «تمجيد» أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، وتُوسّع على نحو مفرط صلاحيات الشرطة في قضايا «التحريض» دون ضمان رقابة قضائية فعّالة، فضلًا عن تمديد العمل بإجراءات المحاكمات عن بُعد، ما قيّد بصورة جوهرية حق الأسرى في المثول الفعلي أمام القضاء، وأضعف قدرتهم على التواصل المباشر والفعّال مع محاميهم، بما يمسّ جوهر حق الدفاع وضمانات المحاكمة العادلة.
أما معتقلو قطاع غزة، فقد خضعوا بعد الإبادة الجماعية لنظام تشريعي استثنائي صنّفهم ضمن فئة «المقاتلين غير الشرعيين»، وأتاح احتجازهم لفترات طويلة دون لوائح اتهام واضحة، ومنعهم من لقاء المحامين، مع تقليص شديد للرقابة القضائية. كما جرى تمديد لوائح حالة الطوارئ المتعلقة بالاعتقالات والتحقيقات حتى مطلع عام 2026، ما أتاح الاحتجاز المطوّل دون مسوّغ قانوني مشروع.
وتعكس هذه المنظومة التشريعية توظيف حالة الطوارئ بوصفها إطارًا دائمًا للحكم، وأداة لتوسيع صلاحيات الاحتجاز والقمع خارج الأطر القانونية المعتادة، وتحويل التشريع ذاته إلى وسيلة للسيطرة والانتقام الجماعي. وقد أسهمت هذه القوانين في إضفاء شرعية قانونية على الاحتجاز التعسفي، وتقويض حقوق الدفاع، وتهيئة بيئة قانونية تُكرّس الإفلات من المساءلة، في سياق يرقى إلى سياسات ممنهجة تُشكّل جزءًا لا يتجزأ من جريمة الإبادة الجماعية المستمرة بحق الأسرى الفلسطينيين.
الإفلات من العقاب
يواصل الاحتلال استهداف الأسرى ضمن سياسة ممنهجة تشمل التعذيب الجسدي والنفسي، العزل المطوّل، الحرمان من العلاج، والاعتداءات الجنسية، وصولًا إلى الإعدام خارج نطاق القانون. ورغم توثيق عشرات الحالات، تُغلق الشكاوى دون تحقيقات جدية بذريعة «الضرورة» أو «عدم كفاية الأدلة»، فيما يوفّر الجهاز القضائي غطاءً قانونيًا للانتهاكات، ويحرّم العائلات من معرفة مصير أبنائها، مع استمرار سياسة الإخفاء القسري.
توضح المعطيات أن السجون الإسرائيلية لم تعد مجرد أماكن احتجاز، بل تحولت إلى ساحات إبادة صامتة تمارس فيها أبشع أشكال القتل البطيء بحق الأسرى الفلسطينيين، تحت غطاء قانوني يوفر الحصانة للجناة. ويؤكد مكتب إعلام الأسرى أن استمرار الإفلات من العقاب يشكل أخطر تهديد على حياة آلاف الأسرى، ويحمل الاحتلال المسؤولية الكاملة عن مصيرهم، داعيًا المجتمع الدولي إلى التحرك العاجل لوقف هذه الجرائم، وفتح تحقيقات دولية مستقلة، ومحاسبة قادة الاحتلال ومنفذي سياساته.
إن قضية الأسرى ستبقى في صدارة النضال الفلسطيني، عنوانًا للكرامة الإنسانية، وشاهدًا حيًا على فشل منظومة العدالة الدولية في حماية الضحايا، ما لم يُكسر جدار الصمت ويواجه نظام القمع بالعقاب والمساءلة.
يؤكّد مكتب إعلام الأسرى أنّ استمرار سياسة الإفلات من العقاب يمثّل التهديد الأخطر على حياة آلاف الأسرى، فإنّه يحمّل الاحتلال المسؤولية الكاملة عن مصيرهم، وعن كلّ جريمة تعذيب أو إعدام أو إهمال طبي تُرتكب داخل السجون والمعسكرات. كما يدعو المكتب المجتمع الدولي، ومؤسساته الحقوقية والقانونية، إلى تحمّل مسؤولياته الأخلاقية والقانونية، والتحرّك العاجل لوقف هذه الجرائم، وفتح تحقيقات دولية مستقلّة، ومحاسبة قادة الاحتلال ومنفّذي سياساته.
إنّ قضية الأسرى ستبقى في صدارة النضال الفلسطيني، عنوانًا للكرامة الإنسانية، وشاهدًا حيًا على فشل منظومة العدالة الدولية في حماية الضحايا، ما لم يُكسر جدار الصمت، ويُواجَه نظام القمع بالعقاب والمساءلة. فالأسرى ضمائر حيّة، وجرحًا مفتوحًا في وجدان الإنسانية جمعاء.




