عائلة عودة المقدسية… شهيدٌ محتجز وابنان في قبضة الاعتقال الإداري

تتسع قلوب الأمهات في فلسطين لكل ألوان الألم. ففي بيتٍ واحد قد تجتمع فصولٌ متراكمة من الفقد والانتظار، حتى يصبح الصبر وسيلتهن الوحيدة لمواجهة المحن. ولسن خارقاتٍ كما يظن البعض؛ يؤلمهن ما يؤلم سائر الأمهات، لكنهن يتشبثن بالأمل كي لا تنكسر أرواحهن. ينتظرن الحرية عند نوافذ البيوت، علّها تطرق الأبواب قبل انقضاء يومٍ جديد. هنا عدّادٌ لابنٍ يخضع للتحقيق، وهناك عدّادٌ لاعتقالٍ إداري يتجدد، وآخر لطفولةٍ انتُزعت من مقاعد الدراسة، وعدّادٌ هو الأكثر وجعاً لقبرٍ ينتظر أن يحتضن صاحبه.
في منزل عائلة عودة المقدسية، في بلدة عناتا شمال شرق القدس المحتلة، تعيش أم محمد وهي تخفي أوجاعها في قلبها، وتحولها إلى دعواتٍ في كل صلاة وسجدة، لعل معجزةً تعيد إليها زوجها الشهيد وابنيها من بين أنياب الاحتلال.
تعرف أم محمد معنى الفقد جيداً، فقد ذاقت منه وجهين لا يقل أحدهما قسوة عن الآخر؛ فقدت زوجها الشهيد بركات موسى عودة، الذي ارتقى شهيداً برصاص الاحتلال عام 2022، ثم احتجز الاحتلال جثمانه منذ ذلك الحين، ليواصل معاقبته حتى بعد استشهاده.
مرت سنوات على استشهاد بركات، ولا يزال قبره ينتظر جثمانه. فسياسة احتجاز جثامين الشهداء تحرم العائلات من أبسط حقوقها الإنسانية، فلا وداع أخير، ولا جنازة، ولا قبر يمكن الوقوف عنده وقراءة الفاتحة. في هذه البلاد المحتلة، لا ينتهي العقاب بالموت، بل يمتد ليطال الشهيد وعائلته معاً.
ولم يتوقف وجع أم محمد عند احتجاز جثمان زوجها، بل امتد إلى نجلها إياد بركات عودة (15 عاماً)، الذي اعتقله الاحتلال في 15 كانون الثاني/يناير 2026، وهو لا يزال على مقاعد الدراسة في الصف العاشر، لينتزع طفولته وحقه في التعليم دفعةً واحدة.
ومنذ اعتقاله، أمضى إياد نحو ثمانية أشهر رهن الاعتقال الإداري، فيما ينتهي أمر الاعتقال الحالي بحقه خلال شهر تشرين الأول/أكتوبر المقبل، دون أن تعرف العائلة ما إذا كان هذا القرار سيكون الأخير، أم أن طفولته ستبقى رهينة أوامر الاعتقال الإداري المتجددة.
وقبل اعتقال إياد، كانت شقيقته تسنيم عودة (23 عاماً) قد أمضت 17 شهراً في سجون الاحتلال، عاشت خلالها ظروفاً قاسية في سجن الدامون، شملت العزل والتنكيل والتجويع إلى جانب بقية الأسيرات. وبعد تحررها، عادت إلى مقاعد الدراسة، وأكملت مسيرتها الجامعية حتى حصلت على شهادة في القانون، وأهدت نجاحها إلى والدتها الصابرة ووالدها الشهيد، الذي لم تتح لها فرصة وداعه أو تشييعه.
ومؤخراً، بدا أن الاحتلال لم يكتفِ بكل هذا الألم الذي أثقل كاهل العائلة، فاعتقل الابن الثاني، محمد بركات عودة (19 عاماً)، بتاريخ 22 تموز/يوليو 2026، لتجد أم محمد نفسها أمام محنة جديدة، بعدما أصبح اثنان من أبنائها خلف القضبان.
وتؤكد عائلة محمد أنه لا يزال محتجزاً في مركز تحقيق المسكوبية، رغم صدور أمر اعتقال إداري بحقه لمدة ستة أشهر، فيما تنتظر العائلة جلسة استئناف للنظر في القرار.
وبحسب العائلة، فقد اعتُقل محمد من مكان عمله دون أي مبرر أو سبب واضح. كما يعاني منذ سنوات من آثار إصابة تعرض لها خلال اقتحام قوات الاحتلال منزل العائلة واعتقال شقيقته تسنيم، ولا تزال آلام تلك الإصابة تلازمه حتى اليوم.
اليوم، تغيب أخبار إياد ومحمد، تماماً كما يغيب مكان احتجاز جثمان والدهما. محمد يواجه الاعتقال الإداري بعد تحقيق قاسٍ في المسكوبية، وإياد يقضي سنوات طفولته في قسم الأشبال بسجن مجدو، بينما لا تزال العائلة تجهل متى وأين ستتمكن من دفن والدهم الشهيد.
وفي مواجهة هذه المحنة، لم يبقَ في يد أم محمد سوى الصبر والدعاء؛ صبرٌ على غياب الزوج، وانتظارٌ لحرية الابنين، وأملٌ لا ينطفئ بأن يجتمع شمل العائلة يوماً، وأن يجد الشهيد أخيراً طريقه إلى قبرٍ ينتظره منذ سنوات



