شاتيلا أبو عيادة.. عقدٌ من الأسر ومرضٌ ينتظر العلاج

عشر سنوات تركت جرحاً غائراً في قلب والدة الأسيرة شاتيلا سليمان محمد أبو عيادة (33 عاماً) من بلدة كفر قاسم في الداخل المحتل. تخوض الأم إلى جانب ابنتها منذ اعتقالها رحلة طويلة من الصبر والإرادة، لكنها بلغت في الآونة الأخيرة من اليأس والإحباط ما لم تبلغه من قبل.
استُثنيت شاتيلا من جميع صفقات التبادل والإفراج، إذ يعزل الاحتلال أسرى الداخل المحتل عن هذه الصفقات باعتبارهم شأناً داخلياً. وعلى مدار سنوات اعتقالها، ودّعت شاتيلا عشرات الأسيرات إلى الحرية، فيما بقي باب السجن موصداً في وجهها، تنتظر دورها الذي لم يأتِ بعد.
تخشى والدتها أن تغادر هذه الدنيا قبل أن تحتضن ابنتها حرة. فما تزال شاتيلا بحاجة إلى ست سنوات أخرى لإنهاء مدة حكمها، فيما تواصل والدتها متابعة ملفها الاعتقالي وقلبها مثقل بالخوف والقلق. ومنذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، انقطعت الزيارات كما هو حال بقية الأسيرات، فلم تعد قادرة على رؤيتها أو إدخال احتياجاتها الأساسية أو الاطمئنان إلى شكلها وصحتها في ظل سياسات التجويع المتصاعدة داخل السجون.
واليوم تناشد عائلة الأسيرة شاتيلا أبو عيادة مؤسسات الأسرى وحقوق الإنسان وأصحاب الضمائر الحية واللجنة الدولية للصليب الأحمر ومنظمة أطباء بلا حدود التدخل للاطمئنان على وضع ابنتهم داخل سجن الدامون، كما تطالب وسائل الإعلام بإعادة تسليط الضوء على قضيتها وقضية علاجها، بعد أن علمت العائلة من إحدى الأسيرات المحررات بأنها تعاني من ارتفاع حاد في إنزيمات الكبد وتحتاج إلى متابعة وعلاج عاجلين، في وقت تجهل فيه العائلة طبيعة وضعها الصحي بشكل دقيق.
واعتُقلت شاتيلا بتاريخ 3/4/2016، ودخلت عامها الحادي عشر في سجون الاحتلال، وهي تقضي حكماً بالسجن الفعلي لمدة 16 عاماً بعد اتهامها بتنفيذ عملية.
ورغم سنوات الاعتقال الطويلة، لم تستسلم شاتيلا لواقع الأسر. فقبل اعتقالها كانت تدرس تخصص علم النفس، وخلال سنوات اعتقالها حصلت على سند في علم التجويد، وتعمقت في علومه وآدابه، كما أتمت حفظ القرآن الكريم كاملاً. واليوم تُعد من أبرز الأسيرات داخل سجن الدامون، حيث تُعد الأقدم بين الأسيرات والأعلى حكماً، وتقوم بتحفيظ الأسيرات القرآن الكريم وتعليمهن اللغة العبرية، حتى بات اسمها معروفاً لدى كل أسيرة دخلت السجن خلال السنوات الماضية.
وكأن شاتيلا تحمل في اسمها حكاية مأساة أخرى؛ فحياتها وأسرتها تعيشان منذ سنوات آثار غيابها القاسي. وتقول والدتها في حديثها لمكتب إعلام الأسرى: “لقد سئمت المناشدات، لكنني أجد نفسي مضطرة لتكرارها من أجل ابنتي. شاتيلا لا تجد الرعاية الصحية اللازمة لوضعها، فأين المؤسسات والعالم من أسيراتنا وما يعانينه؟ نحن نعاني من البعد وانقطاع كل وسائل التواصل، والمحامي ينقل لنا بعض الأخبار، لكنها تبقى أخباراً غير مكتملة. نطالب بإجراء الفحوصات اللازمة لشاتيلا وطمأنة قلوبنا عليها”.
كما تناشد والدة الأسيرة وسائل الإعلام ومؤسسات الأسرى تشكيل حالة ضغط حقيقية لمعرفة وضع ابنتها الصحي وإعادة تفعيل قضيتها إعلامياً، مؤكدة أن أي تأخير إضافي قد تكون له تداعيات خطيرة على صحتها. وتقول: “علمت من إحدى الأسيرات المحررات بتفاصيل وضعها الصحي، وأُبلغت بأنها بحاجة إلى علاج ضروري، لكنني بحاجة إلى جهة تستطيع إدخال العلاج لها أو إرسال طبيب لمعاينة حالتها”.
وتصف والدة شاتيلا ابنتها بأنها صاحبة خلق ودين والتزام، وهو الوصف ذاته الذي تردده الأسيرات المحررات اللواتي عايشنها داخل الأسر. وتقول: “كنت قبل اعتقال شاتيلا أكثر قدرة على التركيز والعمل ومتابعة شؤون حياتي، أما اليوم فقد أنهكني التعب. أعاني من الضغط والسكري وتسارع نبضات القلب، وكل ذلك تفاقم بعد اعتقالها. ماذا يريدون مني بعد كل هذه السنوات من الصبر؟ أناجي الله كل ليلة، وأحمل في داخلي حزناً وعتباً كبيرين. وقلت لها يوماً إن قلبي لن يحتمل أن أرحل عن الدنيا قبل أن أراها حرة”.
وتتساءل والدة شاتيلا عن المدة التي ستستمر فيها الإجراءات الاستثنائية داخل السجون، فهي لا تستطيع زيارتها أو إدخال احتياجاتها الأساسية من الملابس والمستلزمات الشخصية. وتقول إن كل ما تملكه اليوم هو النظر إلى صورة ابنتها، مضيفة أنها بقيت تحدق فيها لساعات قبل أيام حتى خارت قواها وسقطت أرضاً حين فاجأها أحد أبنائها بالنداء عليها.
وتعيش عائلة شاتيلا على وقع قلق يومي متصاعد، في ظل الغموض الذي يحيط بوضعها الصحي وظروف احتجازها. فعلى مدار عشر سنوات انتظرت العائلة أن تنال ابنتها حريتها قبل انتهاء مدة حكمها، لكن الانتظار ما زال مستمراً.
وخلال سنوات الأسر الطويلة، ودّعت شاتيلا أعداداً كبيرة من الأسيرات اللواتي أنهين أحكامهن أو أُفرج عنهن، بينما بقيت هي في مكانها. وتؤدي داخل السجن دور الأخت الكبرى والمرشدة للأسيرات الجدد، تحتضنهن وتساندهن وتشاركهن لحظات انتظار الحرية، فيما تواصل هي ووالدتها انتظار اليوم الذي تنال فيه حريتها.
وتؤكد والدتها أن الأوضاع داخل سجن الدامون بالغة السوء، حيث يتواصل القمع والتضييق والابتزاز النفسي بحق الأسيرات، فيما لا تكفي الوجبات المقدمة لسد الجوع، فضلاً عن تأثير سحب الأدوات الكهربائية على تفاصيل حياتهن اليومية وعزلهن بشكل أكبر عن العالم الخارجي.
وتشير العائلة إلى أن شاتيلا تخضع حالياً للعزل الانفرادي داخل سجن الدامون، دون معرفة أسباب هذا العزل أو تفاصيله حتى الآن.
في كل صباح تتجه والدة شاتيلا نحو نافذة منزلها، علّها ترى ما يبدد سنوات الانتظار الثقيلة. أحد عشر عاماً مضت، وما تزال ابنتها خلف القضبان، تصارع المرض والعزل والحرمان من الزيارة. وبين أمّ تخشى أن يسبقها العمر إلى الرحيل، وأسيرة تنتظر حقها في العلاج والحرية، تبقى قصة شاتيلا أبو عيادة شاهداً على معاناة مستمرة خلف أسوار السجون.
وما تزال الأم تردد الكلمات ذاتها التي لم تغادر قلبها منذ سنوات:
“أبكي عليكِ يا ابنتي إذا عزّ البكا… وأنوح ما ناح الحزين المبتلى…”




