تقارير وحوارات

110 أيام من الغياب والخوف.. أحمد الجرجاوي عاد إلى أسرته لكن طفولته لم تعد كما كانت

بين أصوات الحرب والنزوح والفوضى، فقد الطفل أحمد الجرجاوي طريقه إلى عائلته. كان يبلغ من العمر سبع سنوات فقط عندما انقطعت أخباره عند أحد حواجز جيش الاحتلال في قطاع غزة، لتبدأ رحلة قاسية من الخوف والانتظار عاشتها أسرته لأكثر من 110 أيام دون أن تعرف إن كان طفلها ما زال على قيد الحياة أم أصبح رقماً جديداً في قائمة ضحايا حرب الإبادة .

يقول والده إبراهيم الجرجاوي إن لحظة فقدان أحمد كانت من أصعب اللحظات التي مرت على العائلة. فمع النزوح المتكرر وتشتت أفراد الأسرة بحثاً عن الأمان، اختفى الطفل فجأة وانقطعت جميع أخباره. لم تتلق العائلة أي معلومة عن مكان وجوده أو وضعه الصحي، وعاشت أشهراً طويلة من القلق والترقب والعجز.

وخلال أكثر من ثلاثة أشهر ونصف، لم تعرف الأسرة شيئاً عن مصير طفلها. وقبل الإفراج عنه بيومين فقط، تلقت أول خبر عنه عبر الصليب الأحمر يفيد بأنه لا يزال على قيد الحياة. كانت تلك اللحظة بمثابة نهاية مرحلة من الرعب، لكنها لم تكن نهاية المعاناة.

عندما عاد أحمد إلى أسرته، لم يعد ذلك الطفل الذي غادرها قبل أشهر. عاد حاملاً آثار تجربة قاسية تركت بصماتها على صحته النفسية والجسدية. أصبح يتلعثم في الكلام ويتحدث بصعوبة، ويعاني من نوبات خوف حادة واضطرابات مستمرة في النوم، خاصة خلال ساعات الليل.

كما ظهرت آثار واضحة على نموه الجسدي، إذ لا يتجاوز وزنه اليوم 17 كيلوغراماً رغم أن عمره يزيد على عشر سنوات، في مؤشر صادم على حجم المعاناة التي تعرض لها خلال فترة غيابه.

ويتساءل والده بحرقة: “أحمد كان طفلاً في السابعة من عمره، لا يعرف شيئاً عن السياسة أو الصراعات. كان يحلم بالمدرسة واللعب والحياة الطبيعية كبقية الأطفال. ما الخطر الذي يمكن أن يشكله طفل بهذا العمر حتى يُحرم من أسرته وأمانه وطفولته كل هذه المدة؟”

ورغم عودة أحمد إلى حضن عائلته، فإن آثار التجربة لا تزال حاضرة في تفاصيل حياته اليومية. فعندما يحاول الحديث عما مر به يتوقف كلامه ويتقطع، وتظهر عليه علامات الخوف والقلق. أما أسرته، فما زالت تعيش تبعات تلك الأشهر الطويلة التي قضتها بين الأمل واليأس، وهي تجهل مصير طفلها.

وتناشد العائلة المؤسسات الدولية والإنسانية التدخل العاجل لتوفير الرعاية النفسية والصحية للطفل، ومساعدته على استعادة حياته الطبيعية والعودة إلى التعليم والاندماج مع أقرانه.

قصة أحمد ليست مجرد قصة طفل عاد إلى أسرته بعد غياب طويل، بل شهادة حية على الثمن الإنساني الباهظ الذي يدفعه الأطفال في أوقات الحروب والنزاعات. فقد عاد أحمد إلى منزله، لكن الطفولة التي غادرت معه قبل أكثر من 110 أيام لم تعد كاملة كما كانت.

زر الذهاب إلى الأعلى