محمد حروب: عامٌ كامل في الاعتقال الإداري وحلم الثانوية معلّق

في صفّه المدرسي كان يسعى دائماً إلى إدخال البهجة إلى قلب معلّميه ووالدته؛ متفوّقٌ بعلاماتٍ متميّزة، وأحلامٌ تتجاوز حدود الطفولة. التحق بالفرع العلمي، وسعى إلى تحقيق حلمه بدراسة الكيمياء. عقلٌ متّقد بالحماس وحبّ الحياة والعلم، يجد نفسه اليوم بين أربعة جدران وخلف قضبانٍ تسلب من عمره أجمل سنواته، ومن أحلامه أكبر شغفها، ومن حياته حقّ الاستقرار والطمأنينة.
حين اعتقل الاحتلال الأسير الشبل محمد جمال حروب (17 عاماً) من بلدة دورا بمحافظة الخليل، لم يعتقل فتىً فحسب، بل اعتقل أيضاً قلب أمّه ومقعده الدراسي. كان محمد لا يزال في السادسة عشرة من عمره حين استيقظت عائلته على أصوات الطرقات التي حفظها أهل فلسطين عن ظهر قلب. وفي منتصف الليل، غادر محمد منزله إلى مصيرٍ لا تزال نهايته مجهولة حتى اليوم.
في 10/5/2025 انتهى عهد محمد مع الأوراق والأقلام والكتب المدرسية، وبدأ عهدٌ آخر مع المحاكم والأوامر العسكرية والسجون. فقد حُوّل إلى الاعتقال الإداري، وجددت له محاكم الاحتلال أمر اعتقاله ثلاث مرات؛ ستة أشهر في المرتين الأوليين، وأربعة أشهر في المرة الثالثة.
أمضى محمد عاماً كاملاً في الاعتقال الإداري، وبدأ عاماً جديداً خلف القضبان. ولا يزال، وهو في عمر الطفولة، يقضي أشهر اعتقاله في سجن عوفر داخل قسم الأشبال. وتحاول عائلته تتبّع أخباره عبر الأسرى المحررين وزياراتٍ محدودة للمحامين. وتقول والدته: “في آخر زيارة للمحامي طمأننا على محمد، وأخبرنا أنه كان يعاني من مرض الجرب (السكابيوس)، لكنه تلقّى العلاج اللازم، ووضعه الصحي جيد.”
وإذا كانت أوضاع محمد الصحية مستقرة، فإن مستقبلَه ليس كذلك. فهو في مرحلةٍ دراسية مفصلية، وكان من المفترض أن يلتحق هذا العام بالمرحلة الثانوية في الفرع العلمي، تمهيداً لتحقيق حلمه بدراسة الكيمياء. إلا أن هذه الأحلام جميعها أُرجئت إلى موعدٍ غير معلوم.
وفي المدرسة ترك محمد فراغاً كبيراً. فقد كان شعلةً من النشاط في الإذاعة المدرسية، ومتحدثاً بارعاً يتقن فنّ الخطابة. وفي الصف العاشر ألّف كتاباً لا يزال يحلم بنشره، ولم يكن عمره الغضّ عائقاً أمام قلمه أو أفكاره الكبيرة. وتقول والدته: “كان محمد سابقاً لجيله، فمع أنه كان الأصغر سناً في صفّه، كنت أراه يتعجّل الأحلام والطموحات، ويسعى إلى الوصول إلى أهدافه بسرعة.”
ومحمد حروب واحدٌ من نحو 350 طفلاً يعتقلهم الاحتلال في سجونه، موزعين على أقسام الأشبال في سجني عوفر ومجدو. ويغيب خبر معظمهم عن ذويهم، كما يُحرمون من الزيارات العائلية ومن إدخال كثيرٍ من الاحتياجات الأساسية والملابس التي تخفف عنهم قسوة الاعتقال.
إنهم 350 اسماً محرومين أيضاً من معرفة أخبار عائلاتهم، ومن الاطلاع على ما يجري في العالم خارج أسوار الزنازين. صفوفٌ للعدّ الصباحي والمسائي وما بينهما، بدلاً من مقاعد الدراسة، وأوراق محاكم وأوامر اعتقال إداري متجددة بدلاً من الكتب، وطعامٌ شحيح بدلاً من مائدة العائلة، وأغطيةٌ وملابس بالحدّ الأدنى إن وُجدت، بدلاً من دفء البيت وأمانه.



