رمضان بطعم الحرية المؤجلة… من ذاكرة الأسير المحرر خالد السيلاوي

في كل عام، يحمل شهر رمضان معاني خاصة لدى المسلمين في أنحاء العالم، غير أن لهذه المعاني وقعًا مختلفًا لدى الأسرى داخل سجون الاحتلال. فبالنسبة لهم، لا يمثل رمضان مجرد موسم للعبادة، بل يتحول إلى مساحة روحية واسعة يتنفسون فيها الأمل، ويجددون فيها عهدهم بالصبر والثبات .. هذا ما عبّر عنه الأسير المحرر خالد السيلاوي في حديثه عن تفاصيل استقبال شهر رمضان خلف القضبان، حيث يمتزج الألم بالإيمان، والحنين بالرجاء.
رمضان… فرصة المغفرة وبوابة الحرية
يقول السيلاوي إن الأسير ينتظر رمضان كما ينتظر الغريق طوق النجاة. فهو يرى فيه فرصة إلهية لتحقيق أمرين أساسيين: المغفرة والحرية. فشهر رمضان ، شهر استجابة الدعاء وتبدل الأحوال، لذلك تتضاعف فيه حالة التوجه إلى الله تعالى بطلب الفرج القريب.
ويضيف أن الأسير يعيش أجواء رمضان قبل قدومه بأسابيع، فيضع برنامجًا تعبديًا خاصًا به، يسعى فيه إلى استثمار كل دقيقة، إدراكًا منه أن الوقت هو رأس ماله الوحيد داخل السجن. وفي ظل حرمانه من أبسط مقومات الحياة، تصبح العبادة ملاذًا نفسيًا وروحيًا يعيد له توازنه.
الاستعداد الروحي… ومنافسة في الطاعة
قبل حلول الشهر بأسبوع تقريبًا، تبدأ حالة التعبئة الروحية داخل الأقسام. تُلقى خطب الجمعة، وتُعقد المحاضرات التوعوية، وتُعمم عناوين إيمانية تحث الأسرى على استقبال الشهر بالتهيئة النفسية والروحية.
يؤكد السيلاوي أن روح المنافسة الإيجابية تسود بين الأسرى خلال رمضان؛ فمنهم من يسعى لختم القرآن مرات عدة، ومنهم من يحرص على قيام الليل، وآخرون يتنافسون في الحفظ والمطالعة الدينية. فالسجن، رغم قسوته، يمنحهم وقتًا طويلًا يستثمرونه في العبادة والقراءة والتثقيف الذاتي.
هذه الروح الجماعية تعززها ثقافة الحركة الأسيرة، التي تستلهم من تجارب قادة أمضوا سنوات طويلة في الأسر، فحوّلوا معاناتهم إلى محطات بناء وصقل للذات.
محاربة اليأس… بنفحات الإيمان
لا ينكر السيلاوي أن الأسرى يمرون بلحظات قاسية من الإحباط، خاصة مع طول سنوات الاعتقال. غير أن رمضان يأتي، بحسب وصفه، “كماسحة لكل ذرة يأس في قلب الأسير” فالأجواء الإيمانية، وتلاوة القرآن، والدعاء الجماعي، كلها عناصر تعيد بث الروح في النفوس.
وتبرز مشاعر الحنين بشكل أكبر في الفترة التي تسبق رمضان والأعياد، حيث تتجدد ذكريات اللقاءات العائلية والزيارات، في تلك اللحظات، قد تنساب الدموع شوقًا للأهل والأبناء، لكن الإيمان يبقى عامل الثبات الأول.
تنظيم داخلي رغم القيود
يشير السيلاوي إلى أن الأسرى يشكلون لجانًا داخلية لتنظيم فعاليات الشهر الفضيل، تشمل البرامج الدينية، وتنظيم أوقات العبادة، وترتيب شؤون الحياة اليومية داخل الغرف. هذه اللجان تساهم في خلق أجواء رمضانية، رغم محاولات إدارة السجون سلبهم كل مظاهر الاستقرار.
فالحياة داخل السجن قائمة على عنصر القمع والمفاجآت الأمنية، حيث يبقى حضور السجان عاملًا دائمًا للخوف والتهديد. ومع ذلك، يصر الأسرى على صناعة تفاصيلهم الرمضانية الخاصة، ولو بأبسط الإمكانيات.
العبادة تحت المراقبة والقمع
تحدث السيلاوي عن مرحلة شديدة الصعوبة أعقبت السابع من أكتوبر، حيث صادرت إدارة السجون معظم الأدوات والكهربائيات، ما صعّب على الأسرى معرفة أوقات الصلاة بدقة. بل وصل الأمر إلى عدم القدرة على تحديد بداية شهر رمضان إلا من خلال الاجتهاد والتخمين.
ويروي حادثة شخصية تؤكد حجم المعاناة؛ ففي ليلة يُعتقد أنها بداية رمضان، اقتحمت وحدة قمع إحدى الغرف واعتدت على الأسرى بالضرب. وخلال الاعتداء، قال أحد السجانين مخاطبًا الأسرى: “هذا أول استقبال لكم لشهر رمضان وصيامكم، وسنرى كيف ستصومون”. ومن هنا أدركوا أن اليوم التالي هو أول أيام الشهر.
ورغم ذلك، وبعد انتهاء صلاة التراويح، كان كل أسير يتخذ زاوية صغيرة في الغرفة ليحيي ليله بالعبادة. فالصلاة الجماعية غالبًا ما تكون ممنوعة، وأي محاولة لإقامتها قد تُقابل بالقمع والعقوبات.
بين القيد والإيمان… صورة الصمود
تعكس شهادة الأسير المحرر خالد السيلاوي صورة مركبة للحياة داخل المعتقلات خلال شهر رمضان؛ صورة تمتزج فيها القسوة بالأمل، والحرمان بالروحانية. فبين جدران ضيقة، وتحت مراقبة دائمة، يصنع الأسرى عالمهم الخاص، ويحوّلون الشهر الفضيل إلى محطة تجديد للعهد مع الله ومع الحرية.
رمضان في الأسر ليس مجرد صيام عن الطعام والشراب، بل هو صيام عن اليأس، وتمسك متجدد بالأمل. وفي كل دعاء يرفعه أسير في جوف الليل، تتجسد حكاية إنسان يتشبث بحقه في الحرية، مؤمنًا بأن بعد العسر يسرًا، وأن فجر الحرية، مهما طال الليل، آتٍ لا محالة.
لمتابعة جميع أجزاء الحلقة الأولى من برنامج معسكرات الاعتقال مع الأسير المحرر خالد السيلاوي:
الحلقة الأولى: انتظار رمضان داخل الأسر (1)
الحلقة الثانية: انتظار رمضان داخل الأسر (2)
الحلقة الثالثة: انتظار رمضان داخل الأسر (3)
الحلقة الرابعة: انتظار رمضان داخل الأسر (4).. وصية الأسير القائد عباس السيد
لمتابعة انفو فيديو الحلقة الأولى من برنامج معسكرات الاعتقال مع الأسير المحرر خالد السيلاوي: رمضان خلف القضبان.. بين زمنين!




